Tuesday

25 يناير و المعادلات المستحيلة

هذا المقال كتب بتاريخ 9-3-2012
خمس معادلات سياسية و اجتماعية كان النظام المصري يراهن على استحالة وقوعها و يرى في استحالتها جداراً يحميه من أى تفاعل ثورى من شأنه أن يطيح أو حتى يشكل خطراً يذكر على وضعه و مصيره ، لقد راهن النظام طوال الثلاثين عاماً الأخيرة على كيمياء المجتمع المصري التى كانت تمثل ضماناً لاستحالة أى و بالتالي فإن التهديد الذى طرأ على استمرارية تلك المعادلات كنتيجة لتغير بيئة و جو تفاعلاتها شكلت نذير خطر على النظام الذى كان مستفيداً وحيدا من إتمام المعادلات دى كلها مجتمعة ، و بقراءة فى تفصيل كل معادلة يمكن التبين كيف شكل فشل إتمامها انقلاباً للسحر على الساحر تغير فى طبيعة العناصر و المركبات الداخلة فى المعادلةالمعادلة الأولى : أنا أو الإسلاميون
دفع الصعود الهائل للإسلاميين في بداية عهد مبارك ثم بروزهم كمنافس وحيد للأنظمة العربية مع بداية التسعينات قطاعاً كبيراً من العلمانيين لتنحية خيار إسقاط النظام ، كما دفعهم اعتقادهم بحتمية مجيء القوى الإسلامية التي تبادلهم عداءً أيدلوجياً كبديل منطقي لتلك الأنظمة إلى وقوف بعضهم و خاصة اليسار الماركسي في خندق الديكتاتوريات ، و هو أمر تجلى في سوق بعض منظريهم الذرائع التى تصب فى اتجاه اضطهاد الإسلاميين و البطش بهم ثم مساعدة النظام فى التملص من استحقاقات الديمقراطية عبر تهميش الأغلبية الإسلامية و تزوير الانتخابات ، من ناحية أخرى فقد أدى نجاح نظام مبارك في إفشال أي تحالف إسلامي علماني معارض كما حدث فى تجربة الإخوان و الوفد 84 و الإخوان و العمل 87 إلى تقويض حركة المعارضة و انخفاض سقف طموحاتها ، و كان من نتيجة ذلك أن اندفعت قوى المعارضة بجناحيها الاسلامى و العلماني نحو بعضها البعض و دخلت في حالة من السجال النظري الذي لم يقتصر على صفحات الجرائد و المجلات بل تعداها إلى الأعمال السينمائية و الدرامية ، و عليه فقد تسببت تلك الاتهامات التي ساقتها منابر كل طرف إلى جانب السجال القائم أصلاًً بين يمين العلمانية و يسارها فى إضعاف أداء المعارضة و اضطراب صفوفها و تخبط تحركاتها ، و هي الحالة التي استثمرها نظام مبارك عبر تشجيعه لساحات المزايدات و تبنيه و استمالته لبعض الأصوات العلمانية التي اتخذها أداةً ـ كمجلة روز اليوسف مثلاً ـ في الهجوم على الإسلاميين كخصم سياسي ، و كرد فعل لذلك فقد ارتأت بعض القوى الإسلامية المعتقلة على إثر مواجهات مع نظام مبارك المبالغة فى مهادنة النظام و إضفاء الشرعية على وجوده كحل لفك أسر أعضائها و العودة إلى العمل العام و هو ما وقع من " الجماعة الإسلامية " ، فضلاً عن بعض الأصوات الإسلامية التي كانت ترى عدم جواز معارضة مبارك بأي حال لكونه ولياً للأمر أو على الأقل تأجيل المواجهة معه .
كان هذا المناخ كفيلاً بتقوية موقف النظام و ساعده على الاحتفاظ بكثير من أوراق اللعبة كما ساعده اكتفاء المعارضة بمواقف باهتة على ممارسة الفساد بأعلى درجاته و هو ما نال من مصداقية المعارضة و شعبيتها ، لكن تغيراً ما طرأ على طبيعة المعادلة بعد 11/9 حيث أدى دخول الإدارة الأمريكية كطرف جديد على الساحة و محاولتها فرض مناخ جديد للعمل السياسي عبر الضغط على الأنظمة العربية و بخاصة الحليفة منها و التي تأتى مصر على رأسها إلى تقوية أداء المعارضة العلمانية و الليبرالية منها على وجه التحديد ، هذا التغير النسبي في قواعد اللعبة الديمقراطية في مصر و الذي كانت إدارة بوش ترمى من ورائه إلى تهيئة بيئة سياسية و اجتماعية لا تنتج فكراً مشابه لفكر القاعدة أكسب المعارضة ثقلاً و سمح لها بإعادة ترتيب أوراقها وفق القواعد الجديدة ، وهو أمر أثمر عن مجموعة إجراءات تقاربية بين الجناحين الرئيسيين فكان أن تكونت جمعيات كـ " كفاية " و " الجمعية الوطنية للتغيير " و غيرهما شكلت وعاءاً مكثفاً لنشاط جميع أطياف المعارضة و كان لها الفضل فى الارتفاع بسقف الخطاب المناوىء للنظام ، هذه النتيجة المحمودة على صعيد المعارضة غيرت من رؤى الطرفين سواء الإسلامي أو العلماني ، فالعلمانيون من اليمين و اليسار رأوا أنهم وصلوا بترجيحهم كفة النظام على الإسلاميين إلى فقد كثير من المصداقية و بالتالى الشعبية و أن الوضع الجديد يفرض عليهم قبول الإسلاميين و الانطلاق معهم من القواسم الفكرية المشتركة مدركين أن المعارضة ستستفيد كثيراً من جماهيريتهم ، و هى رؤية بدت واضحة خاصة بين الإخوان و الناصريين و الإخوان و الليبراليين و كذا الجهاديين و بعض الحقوقيين ، و عبرت عنها بعض الصحف الليبرالية و الناصرية عندما كانت تدافع بل و تتبنى أحيانا بعض قضايا الحركة الإسلامية و أولوياتها كقضية وفاء قسطنطين و اعتقالات الإخوان 2007 و كذا تصريحات وزير الثقافة المعادية للحجاب وقام الحقوقيون الليبراليون بفتح ملف المعتقلين من الجماعات الجهادية بل إن المزايدات توقفت حتى عندما خرجت تصريحات من قبل المرشد أشيع أنه يهاجم فيها مصر ، بل و ظهرت شعارات لقوى معارضة علمانية مثل " الاشتراكيين الثوريين " تقول :
"
مع الاسلاميين أحيانا مع النظام أبداً "
فى المقابل كان الإسلاميون قد دفعتهم عولمة و شراسة الحرب الأمريكية عليهم بعد 11/9 إلى تغيير نوعية خطابهم و إضفاء أفكار وطنية و إنسانية على طرحهم الأيدلوجي و الإعلامي ، و هو تغيير لعب دوراً فى التقارب الذي وقع بينهم و بين شركاء المعارضة وعبرت عنه أصوات داخل الإخوان تؤمن بالشراكة الوطنية كسبيل لتقوية صف المعارضة و أكدته مراجعات الجماعة الإسلامية الشهيرة رغم أنها لم تدخل بها إلى سياق المعارضة السياسية ، إلى هذا الحد كان من الممكن الاستفادة من مكتسبات وحدة الصف المعارض و دفعها فى اتجاه منازلة مبارك و هى مكتسبات بلغت ذروتها مع نجاح المعارضة فى انتخابات 2005 و حصول أيمن نور على نسبة تصويت عالية فى انتخابات رئاسة الجمهورية ، و هى مكتسبات أيضاً لم تتبدد رغم التراجع الأمريكي عن دعم الليبراليين و الذى بدأ بمجىء إدارة اوباما و زيارته للمنطقة .
هذه الرؤى الجديدة التى تخلفت لدى الطرفين الإسلامى و العلمانى جعلت من السهل تحقيق الإجماع الوطنى تجاه ما حدث فى 25 يناير ، و هو توحد كان النظام البائد يراهن على استحالة وقوعه لكن و كما قلنا فإن تغير قواعد اللعبة الذى أدى الى تغير فى الرؤى و تعديل فى مسار تيارى العلمانية و الإسلام إلى جانب الدوافع البراجماتية التى ساورت كل منهما فى ابقاء ومضة الثورة مشتعلة إلى النهاية .
لقد سبق اشتعال الثورة كما قلنا يقين بأن المشروع الأحادى لا مكان له الآن على أرض مصر ، و أن الإطاحة بنظام مبارك هى المقدمة الحتمية أمام أى تيار لتحقيق مشروعة ، فى نفس الصدد أكدت ثورة تونس كسابقة ثورية ناجحة و غير مؤدلوجة أن الثورة الناجحة فى العالم العربى لن تكون سوى الثورة الشعبية المزاج و إن قام بها المؤدلجون ، بالنسبة للعلمانيين فقد ساورهم رهان على ميلاد نظام جديد يساهم الإسلاميون بثقلهم فى التهيئة له بشرط أن يبقى أقرب لنموذجي تركيا أو ماليزيا يعيداً عن إيران ، و رأوا أن هكذا وضع سيفتح أمامهم خطوط التمويل و التبنى من قبل دائر السياسة الغربية ، كذلك فقد لاح المشروع التركى المتألق فى الأفق أمام الإسلاميين و هو مشروع و بالتالى فإن الطرفين قد التقوا على نقطة سواء كان النظام كما قلنا مسبقاً يبنى ضمانات جوده على عدميتها ، و لقد مثلت تلك الـ 18 يوماً قمة تجليات انقلاب تلك المعادلة ، فقد استفادت الثورة و كذا الإسلاميون من القبول الغربى الذى تحظى به شخصيات علمانية ، لذلك فقد قبل الإسلاميون فى مصر ـ و من بعدها ليبيا ـ بل حرصوا على تصدير شخصيات كالبرادعى و عمار على حسن و علاء الأسوانى و غيرهم فى مقام الواجهة الخارجية للحراك ، و فى المقابل فقد جرى استثمار قوة الوازع الحركى و الانضباط التنظيمى لدى الإسلاميين و زخمهم الجماهيرى على مدى الـ 18 يوما خاصة يومى الغضب و الجمل ، هذا التوظيف الممتاز لم يكن فى حسبان النظام وقوعه خاصةً و أن له سوابق معكوسة أيام انتفاض 77 التى شجعها اليسار الماركسى و الناصرى و أدانها الإسلاميون و الليبراليون ، لكن و كما قلنا مسبقاً فإن ذلك التغير فى بيئة اللعبة و قواعدها و التى كان مبارك و مستشاروه يغضون الطرف عنه مندفعين فى مشروع التوريث كان العامل الحفاز لانقلاب معادلة ( أنا أو الإسلاميون )

السلفيون و " الأردوغانية المصرية "

مبدئياً لا أقصد بمصطلح الأردوغانية هنا أمراً ما سلبياً لأن التجربة الأردوغانية من وجهة نظري غير مدانة إسلامياً فى إطارها التركي و المرحلي الحالي و غالباً ما ستبقى هى الحاوي الرئيسي للمضمون الحركي للإسلام فى الساحة التركية نظراً لطبيعة و ظروف تلك الساحة ، و لإلقاء الضوء على الحالة الأردوغانية باختصار يمكن القول بأنها تجربة خرجت من رحم الحركة الإسلامية التركية الصريحة ممثلة فى حزب " الرفاة " و مؤسسه نجم الدين أربكان ،  تلك الحركة التى عملت على استعادة روح التدين و الريادة  التركيتين اللتين افتقدتا لعقود تلت سقوط الخلافة العثمانية فى تركيا مخلفةً تبعيةً غير مجدية للغرب سياسةً و فكراً ، لكن لأن عوامل الرفض داخل مؤسسة الدولة التركية عملت عملها فسجنت أربكان لأكثر من مرة و أوقفت مشروعه فكان خروج أردوغان و زملائه جول و أوغلو و غيرهم منتهجين نهجاً جديداً يتسم بعدم وضوح النفس الإسلامى و نفى المسمى الإسلامى عن الحزب و قبول التعددية الأيدلوجية بداخله من يسار و قومية و ليبرلية بداخله ثم انخفاض مستوى الطموح لأسلمة الدولة و مقاومة مؤثرات التغريب بالشكل الذى كان يعلنه أربكان .
للدخول فى الموضوع بعد تلك المقدمة الفلسفية و التاريخية التى كان لابد منها أقول مبدئياً بأن الاسقاط  بين حالتى أردوغان و أبى الفتوح واضح  و علاقة السلفيين بالموضوع تكمن كما لا يخفى على أى متابع فى ذلك الدعم الذى أعلنته بعض المؤسسات السلفية للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح بما يمثله الرجل من نموذج مقارب من النموذج الأردوغانى و بما يمثله دعمه من دعم لتلك التجربة التى يرى بعض الاسلاميين و منهم كاتب هذه السطورأنها تمثل رجوعاً عن خطوات عدة قطعها الدعاة إلى الله  و السياسيون الإسلاميون مع المجتمع و الدولة منذ ثلاثين عاماً و أكثر ، فوفق المقياس السلفي و وفق ما تتمتع به الظاهرة الإسلامية المصرية من ظروف فإن هذه التجربة بمفاهيمها و رؤاها تعتبر رجوعاً و نكوصاً إلى الوراء و تضحيةً بأشواط عدة قطعتها الحركة الإسلامية المصرية آخذةً فيها المجتمع بأغلب قطاعاته إلى آفاق أعلى درجة في الالتزام القيمى و  القبول المؤسسي ، و للتدليل على ذلك يمكن القول بان الدستور التركى لا ينص على إسلامية الدولة و لا على احترام انتمائها للمنظومة الحضارية الإسلامية بل يرسخ للخصومة بين المجتمع و بين ذلك الموروث الحضارى ، و كذلك فإن تجليات الظاهرة الإسلامية فى أوساط المجتمع التركى لم تصل إلى ذلك الحد من انتشار العبادات و الهدى و المعتقدات الإيمانية التى تتنتشر فى المجتمع المصرى ممارسةً و اعتناقاً ، لذلك فالخطوة من وجهة نظر الكثيرين تعبر عن تناقض واضح  من قبل السلفيين الذين خافوا فى السابق على إسلام الجمهور من طروحات عمرو خالد و طارق السويدان و غيرهم من تلاميذ مدرسة الشيخ الغزالى التى دخلت فى سجال طويل مع السلفية و التى يعد أبو الفتوح واحداً من أنجب تلامذتها .
لمزيد من التوضيح فيمكن القول بأن  حالة " حزب الوسط "  التى يمثلها أبو الفتوح  و التي تتجاوز في مرجعيتها رصيد الفكر و الفقه السياسي المعتمد شرعياً و الذي خلفه المنظرون و العلماء و المجددون الشرعيون من علماء الإسلام حول الإمامة و الحقوق و الحريات العامة و وضع المرأة و الأقليات الدينية و الشورى و مدى إلزاميتها و الفنون و درجة و سقف حريتها و ما إلى ذلك إلى استلهام مفردات الحضارة الإسلامية ككل بما   و أدباء و فنانين و بما اكتنفها من أمور فلسفية و فنية لأشخاص أمثال الجاحظ الفيلسوف و الأصفهاني الأديب و الموسيقى اسحق الموصلي و غيرهم ، و هى رؤى إن مررت و ترسخت طارحة نفسها كـنموذج اسلامى جديد فإنها بطبيعة الحال ستضع ثوابت الاتجاه السلفي و مميزاته بل و ما كان يأخذه حتى على المدرسة المحافظة داخل الإخوان من قبيل مسائل الولاء و البراء و طبيعة الحجاب الاسلامى و وضع المرأة و ضوابط الفن و ما إلى ذلك على المحك ، و اذا ما قارنا ذلك الطرح الوسطى ـ نسبة لحزب الوسط و ليس للوسطية ـ بحالة أبى الفتوح فإن درجة التقارب تبدو واضحة و تصل فى بعض الأحيان إلى التطابق .
عملياً ليس من الصعب توقع آلية تحقق ذلك السيناريو فأبو الفتوح هو الأيدلوجي الوحيد فى السباق الذي لا يقف وراءه حزب ، و هى حقيقة تنبىء بأنه فى حالة نجاحه ـ المفترض جدلاً ـ فلا شك أن تحركات من قبله ستتم لتكوين حزب و هو ما حدث مع أبى إسماعيل الذي سعى لتكوين حزب نال من رصيد السلفية ، فإن تم الأمر نفسه مع أبى الفتوح مخلفاً نزيفاً إخوانياً يؤدى فى النهاية الى تصدع فى تلك المؤسسة التى تشكل العضلة الرئيسية للظاهرة الإسلامية فإننا سنكون بصدد خسارة ثانية على الصعيد الإخوانى بخلاف تلك التى سنمنى بها على الصعيد السلفي .
إن تأطير و تصدر هذه الرؤية " الوسطية "  للمشهد الاسلامى السياسي بل و الوطني هو موقف لن  يخدم السلفية ، فالمنتج الإسلامي السلفي ذو المواصفات الخاصة عالية الجودة ستتم المزايدة عليه مرتين فى سوق الدعوة و الحركة من قبل الحالة الإخوانية  ثم من قبل الحالة الجديدة ، و مازلت أعتقد و أؤكد على مسئولية " جماعة الإخوان " عن هذا التناقض الذى تدفع اليه باقى أجنحة الصحوة دفعاً ، فقرار أبى الفتوح إنما اتخذ من وجهة نظرى فى لاوعى شباب السلفية الذي صوت لصالحه قبل اتخاذه بـ 7 أشهر عندما أسقط عبدالمنعم آخر سلفى هو عبد المنعم الشحات ، قد يقول البعض ان مصداقية انتماء الظاهرة الأردوغانية للصحوة لا يخفى على أى مدقق و بالتالى فلا خوف من استعادتها و اجترارها للتطبيق فى مصر ، لكن المنطق سيرد بلماذا نبدأ من حيث بدأ الآخرون مادمنا قد سبقناه بأشواط ؟

السلفيون و أبو الفتوح .. باستفاضة و بصراحة و قبل فوات الأوان

الصراحة و الاستفاضة تبدوان الآن هما الأمران الحتميان لحسم مسألة المرشح الإسلامي الوحيد فى ظل ما نطالعه من مؤشرات صعود و هبوط فى بورصة الانتخابات الرئاسية ، و لحسن الحظ فإن الأمرين معاً يعدان سهلي المنال بالنسبة لكاتب السطور إذ لا سياجات تنظيمية و لا اعتبارات جماعاتية و لا التزامات حزبية و بالتالى فإن الصراحة و معها  الاستفاضة التى تفرض نفسها أيضا على سياق المقال لكثرة الأفكار و تشابكها و تداخلها ً ستكونان السمة الرئيسية لهذه الكلمات ريثما نتحقق من صحة المواقف بعد قراءة متأنية لما يلقى بظلاله حول عملية الانتخابات الرئاسية من  تناقضات و التباسات . 
بعد متابعة معقولة لمواقف أطراف اللعبة الانتخابية و قراءة متأنية لخريطة القوى و التكتلات الواقفة خلف كل مرشح يمكن الاستنتاج مبدئيا ًٍبأن فرص أبى الفتوح ليست كما كان متوقعاً أو راسخاً فى أذهان البعض خاصة من قادة التيار السلفي ، فالقوى العلمانية التى كان يعول عليها فى قبول أبى الفتوح كحالة وسط بين الطرحين الإسلامي و العلماني أدارت ظهرها له و راحت تصوغ مواقفها وفق رؤى و منطلقات متباينة و مختلفة تعبر عن المصالح الداخلية لها او لقادتها على الأقل ، و لمزيد من التوضيح فإن الحركات و الأحزاب الثورية التى كان من المتوقع أن تتجاوب مع ترشح أبى الفتوح أو حتى صباحي كمرشحين ثوريين لم تعلن أى منها تأييدها لأى منهما ، بل على العكس ترك الأمر اختيارياً على صعيد أحزاب مثل غد الثورة و 6 أبريل و لم يبق سوى " التيار المصري و ائتلاف شباب الثورة " اللذين يعبران فى أغلبية أفرادهما عن المنشقين عن الإخوان من الشباب . 
فى الوقت نفسه فإن خطأ البعض فى التصور بأنه يمكن للنور تحصيل نفس النسبة التصويتية التى سبق و ان حصل عليها فى الانتخابات البرلمانية السابقة دون الالتفات للتباين بين الحالتين الانتخابيتين ، ذلك الخلاف الذى يتمثل فى كون النور و معه الأصالة و البناء  التنمية إنما تحصلوا على ذلك الكم التصويتى بفعل المقدرة الحشدية و التأثيرية التى يتمتع بها قادة الحزب و مرجعياته و من يساندهم من الدعاة و الإعلاميين السلفيين و إيمان و إعجاب الجمهور بسمت و قناعات المترشحين السلفيين و من يقفون وراءهم ، و هو أمر لا يتوفر فى حالة مساندة أبى الفتوح ، أقول تلك هى الحقيقة الغائبة إذ ان الرجل ببساطة لا يعبر عن الحالة السلفية ـ و إن كان لا يمكن إنكار إسلاميته ـ بل و سبق له ان دخل فى حالات سجال و تراشق مع هؤلاء و الادعاء من قبل بعض السلفيين بان ثمة تطابق بين حالته و حالة مرسى لن يقنع العديد من صفوف السلفيين لإلمام العديد من ابناء الحركة السلفية بالخلاف فى الخلفيات المدرسية و القناعات العقدية و الفقهية بين كل من أبى الفتوح و مدرسته و مرسى و خيرت و مدرستهما داخل الإخوان المسلمين ، فالاول كما هو معروف يمثل نتاج لاجتهادات الشيخين الغزالى و القرضاوى  اللذين تعتبر كثير  من اجتهاداتهما على أحسن الأحوال محل انتقاد السلفيين و اتهامها بالتفريط ، فيما يبقى مرسى و معه خيرت و دعاة كراغب السرجانى و وجدى غنيم و صفوت حجازى على سبيل المثال و كلهم من مؤيدى مرسى الأقرب داخل الإخوان لقناعات السلفيين العقدية و الفقهية ، و هنا يمكن الخلوص فى النهاية إلى أن موقف الحزبين ـ النور و البناء و التنمية ـ من ترشيح أبى الفتوح كمن يدعو إلى عرس غيره و ليس إلى عرسه ، وهى حقيقة تؤكدها مثلاً أنه لم يمسع حتى الآن عن مؤتمر سلفى واحد سواء على صعيد الحزب أو الدعوة لمناصرة أبى الفتوح بل على العكس فإنك تجد أن أغلب أفراد الحزب من الصف الثالث و الرابع لا يتحمسون للدعوة له أو التنظير لرئاسته و بالتالى فإن النتيجة التصويتية ستقتصر على بعض أفراد الحزب و ذويهم و ليس الجمهور العريض الذى صوت للنور سابقاً من خارج الحزب ،  و أقول بعض أفراد الحزب لأن ثمة داخل " النور " من لم يلتزم بقرار الدعوة و الحزب و راح يتعاون مع الإخوان فى حملاتهم الانتخابية لصالح مرسى .
من ناحية أخرى فإنه فى الوقت الذى يمكن فيه الادعاء بل و الجزم بأن أبا الفتوح قد لفظ علمانياً و لم يبق معه سوى مجموعة من الشخصيات الكبيرة و أفراد هنا وهناك من المعجبين فإنه يمكن أيضاً الادعاء بأن شفيق أصبح الأخطر بين المتنافسين ، فعامل التفتيت الذى كان يفت فى عضد التصويت الفلولى و الذى لعب دوراً فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة لم يعد موجوداً بعد تحقق الإجماع الفلولى عليه كمرشح وحيد و بعدما بات واضحاً سعى الأشخاص و المؤسسات الموالية للنظام السابق نحو إنجاحه فضلاً عن قوى دولية محيطة ، و مما يعزز من خطورته أن الإعلام العلمانى قام بحملة تخويف شرسة و منظمة ضد الإسلاميين فى وقت لم يظهر فيه مرشح علمانى و غير فلولى واحد ذو رصيد شعبى و مبشر بفوز ، و هو ما قد يؤدى إلى استفادة شفيق من تصويت بعض النخبة بما تمتلكه من آلة إعلامية مؤثرة فى المرحلة الأولى و ربما كلها فى المرحلة الثانية الأمر الذى يجعل من تأييد مرسى و تجاوز الخلافات و التخوفات أمراً مفروضاً على التيار السلفى الذى لا شك ان مصلحة الأمة تسبق لديه باقى الأولويات .
داخل التيار الإسلامى يمكن التنبؤ بأن نجاح أبى الفتوح سيستتبع تشجيعاً للتوجهات و النوايا الانشقاقية داخل مؤسسة الإخوان و هو ما يعنى نشوء و نمو جبهات إسلامية جديدة إذا ما التأمت و تكتلت تلك العناصر الانشقاقية داخل الإخوان و اتجهت نحو أبى الفتوح مما يؤدى الى تكرار التجربة التركية عندما أصاب حزب الرفاة التركي الاضمحلال لصالح حزب العدالة و التنمية على إثر نجاح أردوغان الخارج عن الرفاة فى تحقيق مكاسب سياسية ، وهى توقعات و إن كانت مبالغ فيها إلا أنها قابلة للتحقق فى حالة إذا ما قدر و تصدر أبو الفتوح المشهد السياسي من خارج الإخوان ، وهى توقعات ينبغي على القوى السلفية أن تأخذها مأخذ الجد لأن أى ضربة للإخوان أو تصدع كبير فى بنيانهم المؤسسي سيستتبع بالضرورة تأخيراً للمشروع الاسلامى على الأقل فى مساره السياسي لعقود .
من ناحية أخرى فإن نشوء جبهة إسلامية جديدة تمثل النموذج الأكثر انفتاحاً أو بالتعبير السلفي " تفريطاً " للإسلام الصحوى ستحمل فى طياتها مزايدات ضمنية و ربما علنية على النمط الإسلامي الذي يطرحه السلفيون ، بل و قد تنال من رصيدهم الجماهيرى و هو ما سيجعل السلفية من الأطراف الأكثر تضرراً من وراء ذلك ، لقد كان هناك بعض الاتجاهات داخل الإخوان و خارجهم تتمنى أن يأتى أبو الفتوح ممثلاً للجماعة و التيار ككل و منهم كاتب هذه السطور ، لكن و ربما لا ينفرد كاتب تلك السطور بلكن أقول لكن فى إطار الجماعة بحيث سيكون مقبولاً أن يختلط " انفتاح " أبى الفتوح و تياره بـ " محافظة " رفقائه فى الداخل كما حدث سابقا بين شدة عمر و لين أبى بكر ، و بذا يمكن تجنب ظاهرة الانشطار السياسى الواقعة فى إيران حيث تنقسم القوى العقائدية هناك إلى إصلاحيين و محافظين و هو ما سيكون وارداً تحققه فى الساحة الاسلامية المصرية فى المرحلة المقبلة .
من ناحية أخرى فإن ضعف ما سيق من دفوع من قبل قادة التيار السلفى ـ مع احترامهم ـ حول موقفهم من دعم أبى الفتوح يبدو واضحاً بعد القراءة السابقة ، فلربما لا يحصل أبو الفتوح ولا مرسى أصلاً على ما يدخلهما خانة الإعادة فى ظل ضمان عمرو موسى  للتكتل التصويتى القبطى مع بعض العلمانيين و ضمان شفيق للتكتل الفلولى و قطاع من العوام و القرويين ، فضلاً عن أن تخوف السلفيين من سيطرة الإخوان على مقاليد الحكم كلها يبدو متناقضاً مع سبقهم إلى دعوة الإخوان للدفع بخيرت للترشح ، بل لعل خيرت كان حلاً أمثلاُ بالنسبة لهم و لآخرين للاعفاء من حرج عدم الوقوف وراء أبى إسماعيل ، و من هنا تبقى الحجة الأخيرة التى لم تسق على لسان النخبة السلفية و انما تجرى منذ أيام قليلة قبل إعلان دعم أبى الفتوح  من أن تأمين الدعوة من استهداف الإخوان فى حال تسلمهم السلطة كاملة هو ما دفع السلفيين إلى دعم مرشح يأمنونه و هو استنتاج فى رأيى أقرب للصواب و للاستغراب معاً .
مما سبق يمكن استخلاص أن ثمة حصاداً مراً طفى على سطح العمل الاسلامى ، و أنه لابد من معالجات و مراجعات تعيد الثقة بين أجنحة الصحوة الإسلامية و بعضها ، و لمزيد من الصراحة و التوضيح فإن ما وقع فى إطار التنافس الانتخابى بين الحرية و العدالة و النور فى انتخابات البرلمان و الذى م يكن كله على ما يرام و فوق الحزام ، من إنجاح الإخوان لبعض منافسى حزب النور خاصة فى بورسعيد و الأسكندرية و شعور بعض السلفيين بشىء من التعالى يتعامل به بعض من أفراد الإخوان و من ناحية أخرى ظهور تعليقات لعلماء سلفيين تخص حزب النور بالثناء من دون باقى الأحزاب الإسلامية و قبل ذلك الرصيد الهائل من المؤلفات و الفتاوى خاصة من قبل بعض السلفيين أو غيرهم ممن يدعون السلفية و التى تغلظ فى انتفاد الإخوان و التبخيس من جهادهم ودمغه بأمور باطلة  هو ما تسبب فى ما يقع فى هذه الآونة و فى كل مرة ،  و عموماً فثمة مؤشرات تدل على إدراك جماعة الإخوان أن صدارتها السياسية للحركة الإسلامية و التى تمثل أمراً واقعاً فى هذه المرحلة تفرض عليها أن تحافظ على القافلة من خلفها حتى لا تجد نفسها تقود نفسها و فقط  و باتت الكرة فى ملعب التيار السلفى الذى بإمكانه أن يجنب الحركة الإسلامية تأخيراً فى مشروعها قد يطول لثلاثين أو ربما ستين عاماً أخرى

Sunday

عدت بفضل الله و منة بعد ثورة هى فضل من الله و منة

عدت بفضل الله و منة بعد ثورة هى فضل من الله و منة

Saturday

إيغورستان .. بلقان أوروبا

فرضت الأحداث الأخيرة التى تعرض لها المسلمون فى إقليم " شينغ يانغ " الصينى نفسها على الساحة الإعلامية فى الفترة الأخيرة ، فقد كان حجمها و ظروفها محل توقف و متابعة الكثيرين على الرغم من أن ساحة الإقليم لم تخل من اضطرابات عنيفة تنشب بين أقلية الإيغور و حكومة الإقليم من وقت لآخر.
تشبه القضية الإيغورية فى كثير من أبعادها قضية مسلمى البلقان بعد انهيار النظم الشيوعية فى التسعينات كل من ألبانيا و يوغوسلافيا ، فالقواسم المشتركة بين الفريقين عديدة منها أن أصول الفريقين ترجع الى جذور تركية فى أغلبيتهم و لذلك فإن مسمى " التركستان الشرقيين " يعتبر أكثر استخداما لدى مسلمى الصين من مسمى الإيغور ، كما أن الوجود الإسلامى فى الصين شأنه شأن الوجود الإسلامى فى البلقان كان أساسه تمدد الإمبراطوريات التركية المتعاقبة شرقا و غربا ، بالاضافة إلى أن أكثر مظالم " التركستان " الطائفية وقعت فى ظل الحكم الشيوعى الذى انتهى فى البلقان و بقيت آثاره واضحة .
تدعى الصين إن إقليم شينغيانغ أصبح جزءا من الأراضي الصينية قبل الميلاد بستين عاما وإن الإقليم لم يخرج عن سيطرة بكين رغم فترة استقلال قصيرة امتدت من عام 1838 حتى تولت الشيوعية الحكم في بكين عام 1949 بينما تؤكد المنظمات الإيغورية أن الدولة المستقلة استمرت في شينغيانغ حتى عام 1759 عندما غزته جيوش الإمبراطورية الصينية.


و على أى حال فقد تمتع الشعب الإيغورى فى إقليم شينغيانغ على مر العصور بالكثير من الاستقلالية ، لكنه تعرض سأنه شأن باقى الأقليات الدينية و العرقية فى الصين لإجراءات كان من شأنها السحق الثقافى و الدينى إبان استلام الشيوعيين مقاليد الحكم ، فقد قام النظام فى إطار سعيه لتذويب الفروق العقائدية و العرقية بإحلال مجموعات من عرقية " الهان " فى اقليم " شينغ يانغ " مما نال من التفرد الايغورى فى الإقليم ذى الثروة المعدنية الغنية و ، و كنتيجة لذلك قام الكثيرون بالهجرة إلى تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية وبعض الدول الإسلامية في جنوب شرقي قارة آسيا مما جعل نسبة المسلمين تنخفض إلى 70%
شهدت مرحلة الثمانينات و التسعينات استهدافا حاد من قبل سلطات الحزب الشيوعى ــ الهيئة الحاكمة فى الصين ــ للظاهرة الإسلامية ، ففى نشرة رسمية أصدرها المكتب الإعلامي للحزب الشيوعي لتركستان تدعى "إعلام سينغيانغ" العدد 91 لعام 1995 حذر الحزب مما سماه " صحوة المسلمين " ، و كان أهم ما جاء ضمن سطورها : ( في السنوات الأخيرة زادت صحوة المسلمين الدينية ، فزاد عدد المساجد من 14114 مسجداً قبل الثورة الثقافية (نظام طبقه الشيوعيون في عام 1962) إلى 22 ألف و940 مسجداً . كما زاد عدد الحجاج لأكثر من أربعة آلاف حاج سنوياً ، وانتشرت المدارس الدينية ، وحلقات تحفيظ القرآن الكريم التي أقبل عليها الأطفال ، كما فتحت مدارس خاصة للبنات ، مما أدى إلى تزايد إقبال الشباب والنساء على المساجد ، حتى إن بعض المساجد في خوتن ، وكاشغر خصصت أماكن للنساء ، وأصبح بعضهن يرتدين الحجاب ) ... انتهى
بداية من العام 96 أخذت الحكومة فى تكثيف مكافحتها للإيغور الذين رأت فيهم مشروع انفصاليين ، ويذكر المحللون الأجانب أن الصين أغلقت منذ ذلك الحين مئات المساجد ومدارس تحفيظ القرآن في شينغيانغ حيث يقر المسؤولون بأن المساجد السرية ازدهرت ، لكن منحنى الاستهداف قد أخذ فى الارتفاع بعد أحاث الحادى عشر من سبتمبر ، حيث قامت الصين بتأييد الولايات المتحدة فى حربها على ما سمته الإرهاب فى خطوة رأى الكثيرون أن الهدف من ورائها كان اضفاء شرعية على قمع الحكومة لنشطاء المعارضة فى الإقليم ، و بالفعل أخذت الحكومة تشدد القيود القائمة على الإيغور منذ مدة طويلة مستخدمة أساليب متزايدة فى القسوة لسحق الثقافية المحلية للسكان والقضاء عليها على غرار ما يتبع مع أهل إقليم التبت .
أخذت الإضطرابات بين المسلمين و السلطات تتعاظم و تطفو على الساحة الإعلامية متخذة أبعادا إقليمية و دولية ، ففى العام 2001 قتل ستة متظاهرين مسلمين فى صدامات مع قوات الأمن حيث فتحت الشرطة النار على ألفي متظاهر مسلم قدموا من مقاطعة مينغسن لمساندة المسلمين في يانغسين، و مما زاد من حدة ردود الأفعال أن المكتب الإعلامي بمجلس الوزراء الصيني قام بالقاء التبعة على المعارضة مدعيا أن عدة مئات من الإيغور قد تلقوا تدريبات عسكرية في معسكرات تابعة لتنظيم القاعدة بأفغانستان ، فى العام 2004 تكررت نفس الاضطرابات عندما قامت السلطات فى إقليم بتقييد وتحديد منح تأشيرات الحج للمسلمين .
الإيغوريون الآن يعيشون حالة من الحيرة بين الداخل الذى يرفض كل محاولاتهم للتعبير عن ذاتهم و يعتبرهم مشروع انفصاليين و بين الخارج الذى يتجاهل قضيتهم و يعدها فى الصف الثالث إسلاميا ، و هم على الجانبين لا يستطيعون تحريك دفة الأمور فى اتجاه قضيتهم ، فرغم ثقلهم التواجدى الذى يكمن فى التعداد الذى يصل إلى 20 مليون نسمة و التمركز الإقليمى الذى يقتصر تقريبا على إقليم "شينغ يانغ " ، فضلا عن التمايز العرقى الذى يزيد كلما اتجهنا غربا ، إلا أن هناك عقبات تقف فى طريق وصولهم إلى حل قضيتهم ، فإحكام السلطة المركزية قبضتها على الأقاليم و عدم وجود قيادة تركستانية محددة و موحدة الأهداف و عدم وجود سقف موحد للمطالب التى تتوزع بين الانصاف الداخلى و بين الانفصال عن الدولة المركزية ، فضلا عن خفوت أو غياب الأطروحة الاسلامية التى تمايز الأقليتين الشيشانية و الكشميرية عن أنظمتهما السياسية فى الهند و روسيا و التى تعد العامل الرئيسى للتعبئة الانفصالية و عدم وضوح معالمها بالنسبة للإيغور مقارنة بالنموذجين الكشميرى و الشيشانى كل ذلك يجعل من فكرة السعى الانفصالى مخاطرة غير محسوبة .
من ناحية أخرى فإن فكرة الانصاف الداخلى تعد بعيدة المنال ــ الآن على الأقل ــ لافتقاد الإيغور " الخارج " الذى يمكنهم الاستقواء به داخليا ، فمنظمة المؤتمر الإسلامى التى تعد أكبر تجمع إسلامى تعبر فى آدائها و مواقفها عن منظمة مجتمع مدنى أكثر من منظمة ضغط سياسى و دولى ، كما أن تركيا التى تعتبر الخلفية العرقية و التاريخية للإيغور لن تستطيع بمفردها التحرك إقليميا و دوليا لرفع المظالم و وقف الانتهاكات خاصة و أن لديها طموحات فى الانضمام إلى دول الاتحاد الأوروبى مما يجعلها تخفف من نشاطها على الساحة الإسلامية ، أما الأقليات الإيغورية فى المهجر فمازالت لم تتعد مرحلة التعبئة الإعلامية المرهونة بنشوب الأزمات و جمع التبرعات على نطاق ضيق ، لكن و بغض النظر عن تلك الظروف و المعطيات التى لا تصب فى صالح القضية فإن هناك من يرى ــ و منهم كاتب هذه السطور ــ أن الدول الاسلامية تستطيع ممارسة دور ضاغط على حكومة الصين عبر التلويح بالتقليل من حجم التبادل التجارى معها ، و يرى محللون أن هذا هو الحل الأنجح ــ الآن على الأقل ــ إذ أن الاقتصاد الصينى يعتمد بشكل كبير على الطاقة الاستيعابية للأسواق العربية و الاسلامية مما يتيح لصناع القرار فى الدول الإسلامية ــ إن أرادوا لتدخل ــ أن يمارسوا دورا ضاغطا عبر التلويح بالتقليل من حجم التبادل التاجرى بينها و بين الصين ، و لعل هذا هو الإجراء الوحيد الممكن و الذى لا تطمح المنظمات الايغورية من البلاد العربية و الإسلامية إلى أبعد منه حاليا على الأقل .

المئوية الثانية على ميلاد داروين


لم تخلف نظرية علمية على مدار القرنين التاسع عشر و العشرين كما من الجدال و النقاش كذلك الكم الذى خلفته نظرية ( النشوء و الارتقاء ) لعالم الأحياء الانلجيزى تشارلز داروين ، و السبب أن البعد الفلسفى الذى حملته النظرية و الذى يتناول فكرة أصل الإنسان قد أثار جدلا عظيما بين دعاة المادية الذين رأوا فيها تكئة علمية لفكرتهم حول الفلسفة المادية للحياة و التفسير المادى لحركة التاريخ و بين المؤمنين الذين راعهم أن تنفى النظرية أهم مسلمات العقائد السماوية و الأرضية و هى فكرة الخلق ، و فيما انطلق الفريق الأول ينظر لها و يبنى عليها أطروحاته فى الاقتصاد و الفلسفة و علم النفس و الاجتماع ، راح الفريق الثانى يهاجمها و يحاول تفنيدها بكل ما أوتى من قوة معتمدا على أنها لم تقدم دليلا علميا راسخا يثبتها أو ينقض نظرية " الخلق " التى وردت فى جميع الكتب المقدسة .
تتفق نظريتى " التطور " أو النشوء و الارتقاء " مع نظرية الخلق الإلهى على أن الانسان تكون من مادة ميتة ، و أن خروج الحى من الميت و خروج الميت من الحى هو حقيقة ، لكن داروين الذى تحتفل الدوائر العلمية الآن فى الغرب بالذكرى المئوية الثانية لميلاده و المائة و الخمسين لميلاد نظريته رأى وفق كتابه " أصل الأنواع" 1859م الذى ضمنه نظريته أن الكائنات نشأت من خلية واحدة ، و أن هذه الخلية انقسمت لعدد من الخلايا وتطورت نتيجة لعدد من العوامل البيئية والمناخية وبدأت تتطور وتتعدد خلاياها حتى تكونت النباتات والحشرات والحيوانات والإنسان ، و ضرب مثلا على نشوء كائنات حية من مادة ميتة بالديدان التى تظهر حول قطعة من اللحم موضوعة فى إناء محكم الإغلاق ، و ضرب مثلا على فكرة الارتقاء أو التطور بالزرافة التى كانت ذات عنق قصير و مع ارتفاع الأشجار و استحالة وصول فمها إليها دأبت على مد عنقها مما أكسبها طولا ورثته الأجيال المتعاقبة على حد زعمه .
وبرغم النقد المنطقي الذى وجه للنظرية منذ ميلادها إلا أنها وجدت رواجا هائلا لم يتوقف عند نفود نسخ كتاب " أصل الأنواع " الألف ومائتان وخمسون من الطبعة الأولى في اليوم الأول لصدوره ، و لم يمر وقت طويل حتى أصبحت " التطور " هى المرجع الرئيسى الذى بنى عليه منظرى المادية من أمثال ماركس و إنجلز و فرويد تصوراتهم .
لكن التأثير الأكبر الذى خلفته النظرية لم يتوقف عند حد التنظير المادى ، إذ أن فكرة " الارتقاء " التى تمثل الشق الثانى منها قد خلفت نزعات عنصرية تؤمن بتفوق جنس على آخر ، فانطلاقا من المسلمة الداروينية التى ترى أن البشر يتسلسلون بحسب قربهم لأصلهم الحيواني في ست عشرة مرتبة يأتي الأوربيون (البيض) فى قمتها و يقع الزنوج والهنود ثم الملايو و العرب و اليهود في أسفلها قام بعض المؤرخين و البيولوجيين من أمثال فريدريك نيتشة و فرانسيس جالتون بترسيخ فكرهم العنصرى، فقد دعا فرانسيس جالتون من خلال نظريته السماه بـ " اليوجينا " أو " الانتخاب الاصطناعى الى الحد من نسل الافارقة و الاسيويين و الأغبياء و معتادى الإجرام بينما يسمح للبيض الذين من المفروض أنهم يمثلون صفات الذكاء و القوة و الخير بزيادة نسلهم ، أما المؤرخ الألمانى فريدريك نيتشة فقد تطرف أكثر من صاحبه ، حيث رأى ان الإنسان هو المرحلة الوسط بين القرد و السوبر مان و أنه كما تطور القرد إلى إنسان فى القدم فإن من المنتظر إن يتطور الإنسان إلى سوبر إنسان فقط إذا ما سمح له بالعيش فى ظل قانون الغاب الذى سيسمح للأقوياء فقط بالبقاء .
بالطبع لم يكن من الغريب أن تنشأ كيانات سياسية و أحزاب تعتنق هذا التصور ، ففى إيطاليا و ألمانيا قامت الفاشية و النازية بترتيب الشعوب و السلالات فى سلسلة شبيهة إن لم تكن مطابقة لسلسلة داروين ، و قام نيتشة بإهداء كتابه حول الفاشية إلى كل من موسولينى و هتلر اللذين أقاما حروبهما الدموية على أساس فكرة " الشعب المتفوق " أو Heren Volk ، أما الشيوعية التى نظرت إلى كتاب داروين على أنه كتابها المقدس فقد انخرطت هى الأخرى فى صراع مع منافسيها منطلقة من نفس المنطلق المادى و لو بتصور آخر ، و قد نظر الكثيرون إلى الصراع بين النازية و الشيوعية على أنه صراع بين يمين و يسار الداروينية .
من ناحية أخرى فإن الحركة الاستعمارية لم تكن بمنأى عن مضمون النظرية و ما ترتب عليه ، فاليوجينا المشاراليها سلفا وجدت صدى واسعا لدى القوى الاستعمارية التى كانت فى حاجة إلى نظرية علمية تمنح ممارساتها نوعا من التبرير العلمى ، و قد أكسبت اليوجينا تلك القوى قدرا من الأريحية فى ممارساتها العدوانية و التوسعية و هو ما بدا واضحا فى مستعمرات أفريقيا و آسيا و الولايات المتحدة و الجزائر .
فى الشرق كان مضمون النظرية صادما للاوساط الثقافية ، إلا أنها نتيجة للمناخ الليبرالى المنفتح وجدت لها أنصارا و متحمسين ، فقد أخذ المفكر اللبنانى شبلى شميل فى الدعوة لها من خلال المؤلفات و الدوريات ، و قد أدى ذلك الى سجال فكري مستعر و معارك رد فيها المفكر جمال الدين الأفغانى عليه ، لكن و برغم الردود فإن هذه الدعوة قد أثمرت عن نشأة فريق سماه الأفغانى بالدهريين كان من أهم رموزه سلامة موسى و اسماعيل مظهر و منصور فهمى و غيرهم ، و كنتيجة لهذه السجالات نشأ جيل جديد عاش نفس التوترات عبر عنه الأديب نجيب محفوظ فى روايته ــ قصر الشوق ــ فى حوار بين كمال ممثلا للقوى التنويرية و والده ممثلا للقوى المحافظة حول اصل الإنسان وانتمائه الحيوانى .
على الصعيد الآخر أقر كل من موسى و شميل بتفوق الجنس الأبيض ، و لذلك فإن سلامة موسى دعى متأثرا بنيتشة إلى ما يسمى بالسوبر مان ، و قدم كتابه مقدمة السوبر مان الذى دعا فيه الى أن يتزوج المصريون من أجنبيات منطلقا من نفس الأفكار العنصرية ، أما باقى تلامذة شميل باستثناء اسماعيل مظهر فلم يكونوا من دعاة التحرر من الاحتلال الانجليزى انطلاقا من نفس العقدة .
فى المشرق الإسلامى الآن يقتصر الإيمان بنظرية داروين على اليسار الماركسى الذى يفرض على تابعيه الايمان بالمادية الجدلية ، أما باقى القوى فموقفها من النظرية غير ايمانى إن لم يكن عدائى كما هو الحال بالنسبة للتيار الإسلامى ، و قد شهد النصف قرن الماضى عودة كثيرين من معتنقى النظرية و منظريها على رأسهم الدكتور مصطفى محمود صاحب كتاب " رحلتي من الشك إلى الايمان " الذى أكد فيه أن الوحدة بين المخلوقات في الخامة لا اكثر .
فى الغرب الآن مازال الجدال قائما ، حيث تحاول الداروينية تجديد نفسها عبر الاعتماد على مكتشفات علمية جديدة كالطفرة الجينية و إن كانت قد تجاوزت أهم ثوابتها إلى الاعتراف بتعدد أصولً الكائنات و الإقرار بتفرد الإنسان بيولوجياً ، و برغم هذه التطورات إلا أن المؤسسات الدينية الغربية تسعى فى محاولة للظهور بشكل أكثر تسامحا و استنارة إلى التوفيق بين نظريتى التطور و الخلق الإلهى ، و هو أمر بدى واضحا فى اعتذار الكنيسة الانجليزية لداورين العام الماضى و فى تصريح وزير الثقافة في الفاتيكان المطران جيانفرانكو رافاسي بأن " نظرية التطور متوافقة تماما مع الكتاب المقدس، ولا تتعارض إطلاقا مع الإيمان أو اللاهوت المسيحي» ، و على النقيض من هذه المؤسسات يأتى موقف المؤسسات المسلمة فى الغرب ، حيث تقوم الدوائر العلمية الإسلامية انطلاقا من استشعارها خطورة الترويج للنظرية و تبعاته بمحاولة وضع نظرية ذات بناء ديني و علمي تؤصل حياة الكائنات على الأرض ، و فى هذا الصدد قام عالم الأحياء التركى هارون يحيى بوضع كتابه أطلس المخلوقات الذى وزعت المؤسسات الإسلامية منه فى فرنسا آلاف النسخ على المدارس والجامعات الفرنسية عام 2007 محذرة الطلاب من نظرية داروين ، و بين هذا و ذاك تبقى نظرية النشوء و الارتقاء مفردة علمية و ثقافية مثيرة للجدل ، و تظل قنبلة ثقافية موقوته قابلة للإنفجار مخلفة صراعا الفكرى و دمويا إن لم تجد من يصرعها و يحسمها و ينزع فتيلها

الاصلاحيون و المحافظون ... اختلاف أجندات أم انفصام فى الذات ؟؟


خلفت الأزمة السياسية التى وقعت فى ايران الأسابيع الماضية طرحا قويا لمسألة الخلاف بين " المحافظين " و " الاصلاحيين " كما لم تطرح من قبل ، حيث أدى تفاقمها و طغيانها الإعلامى إلى قيام الكثيرين بمحاولة تشخيصها و بيان مداها و أثرها على الواقع و المستجدات السياسية و الاجتماعية فى العالم العربى و الإسلامى بصفة عامة ثم على ما يسمى بظاهرة الإسلامى السياسى بصفة خاصة ، و لكى نخرج فى بحثنا خارج سجن المصطلح الذى لا نكون بالضرورة مؤمنين بمدلوله سنقوم نحن بسجنه داخل قوسين حتى لا يستشكل على القارىء فيظن أننا نميل لتيار دون الآخر
بداية ينبغى أن نؤكد ان ظاهرة الاستقطاب بين " الإصلاحيين " و " المحافظين " ظاهرة لا تقتصر تجلياتها على الساحة السياسية فحسب ، بل تتعداها الى ساحات أخرى كالفكر و الفن و الاعلام و لو أن الاستقطاب السياسى يظل هو الأكثر حضورا على الصعيد الإعلامى . كما أن الظاهرة لا تقتصر على الساحة الإيرانية فحسب بل إن هناك فى العالم العربى و الاسلامى عدة نماذج أرى أنه يمكن القول بأنها تعبر عن الظاهرة . ففى تركيا شهدت نهاية التسعينات استقطابا داخل الحركة الاسلامية انبثق عنه تيار جديد لا يلتزم كثير من مسلمات الحركة الأم ، و الفريقان اذا اسقطنا على حالتهما معايير الخلاف بين " الاصلاحيين " و " المحافظين " ستصبح تسمية " الاصلاحيين " و " المحافظين " جائزة على كل منهما .
أيضا فإن الأحداث التى جدت على السحاتين الأفغانية و الصومالية و ما ترتب عليها فى هذا الصدد من انعكاس للوضع فى ايران و تركيا من حيث انبثاق التيار الإسلامى " المحافظ " من داخل التيار الانفتاحى و ليس العكس ـ طالبان و حركة الشباب المجاهدين ـ ، وتبنى الاتجاه الأول نفس خيارات التيار المحافظ العام من حيث الممانعة العسكرية و الثقافية ثم الأممية الإسلامية و عدم قبول تعددية غير إسلامية خالصة داخل الوطن الواحد . كل ذلك يؤكد سيادة الظاهرة على مستوى العالم الإسلامى .
بالنسبة للتجربة الإيرانية فإنها تتميز عن باقى التجارب بأمرين ، أولهما أن الحركة الدينية فيها تتميز بخلفية مذهبية مغايرة عن باقى الحركات الإسلامية ، مما يجعل ممارساتها العقائدية و السياسية خاصة تجاه التيار الإسلامى السنى فى ايران محل تعليق و ملاحظة بل و إدانة البعض ، الأمر الثانى أن السجالات بين " إصلاحييها " و " محافظيها " أكثر حضورا على الساحة الإعلامية و هو أمر راجع لتصدر التيار الدينى بـ " إصلاحييه " و " محافظيه " الحلبة السياسية منذ الثورة الإيرانية عام 79 .
كانت مرحلة محمد خاتمى (1997 -2005 )هى بداية التمايز و الاصطفاف الحزبى بين الفريقين ، حيث قام الإصلاحيون بتجميع أنفسهم فور نجاح خاتمى داخل إئتلاف ضم قوى اليسار و الوسط و حزبين احدهما مقرب من رفسنجانى و الآخر مقرب من خاتمي الذى خلف توليه انفتاحا ملموسا فى الصحافة و الإعلام و الفن ، و على إثر قيام المحافظين بالشى نفسه بدأت المعارك السياسية و لقانونية و الانتخابية تنشب بين الفريقين ، فالتدابير التى يتخذها رئيس الجمهورية " الاصلاحى " تقابل بالعرقلة من قبل القوى " المحافظة " التى تشكل أغلبية البرلمان ، و الثوابت العامة التى وضعها قادة الثورة الذين كان أغلبهم من " المحافظين " بدا واضحا أن خاتمى " الاصلاحى " ومن وراءه يسعون لتحريكها أو حتى إزالتها ، فمبدأ " ولاية الفقيه " الذى يكرس الزعامة و السلطة بيد القيادة الدينية و مبدأ " تصدير الثورة " الذى يثير عداء دول الجوار و الغرب و يأتى على جزء من الميزانية العامة أصبحا محل انتقاد و استهداف فى الداخل الإيرانى ، هذا بالإضافة إلى القضايا التقليدية التى ساقها بعض " الإصلاحيين " و التى تؤتى الحركات الدينية غالبا من قبها مثل المرأة و الأقليات و حرية التعبير . بالنسبة " للمحافظين " فقد كان ردهم بالتركيز على مغازلة تطلعات و احتياجات الطبقات الفقيرة و المتوسطة ، و هى التى لا تعنيها فكرة الحرية بمفرداتها من حرية زى و تعبير و فكر و غيره مما يدخل ضمن اولويات " الإصلاحيين " ، و هو أمر كان له دوره فى إنجاح مرشح " المحافظين " فى انتخابات 2005 أحمدى نجاد الذى صرح عقب توليه الرئاسة : " إننا لم نقم بالثورة من أجل الديمقراطية "
فى الانتخابات البرلمانية لعام 2008 كان المشهد أكثر وضوحا من حيث التكتلات و الاستهداف المتبادل ، أما الانتخابات الأخيرة التى شهدت النهاية العظمى للاستقطاب بداية بالاتهامات بالفساد قبل النتيجة و بالتزوير بعدها ثم اللجوء للشارع للضغط و استخدام العنف من قبل السلطات التى كان أهما الباسيج سلاح المرشد و ما أسفر عن ذلك من تغيير فى منصبى نائب رئيس الجمهورية و مدير الملف النووى لصالح " الإصلاحيين " .. كل ذلك يطرح تساؤلا مهما مطابقا لعنوان المقال و هو : هل أن هذه التداعيات هى نتيجة منطقية لـ 10 سنوات من الاستقطاب الناتج عن خلاف فى الأجندات و الاولويات ، أم أن جناحا من الحركة الدينية فى إيران خلص أخيرا إلى قناعات جديدة جعلته يسعى لإدراج إيران في سياق ايديولوجيا أخرى غير دينية و لو باستخدام العنف ؟
التساؤل نفسه أو قريب منه يصح اسقاطه على التجربة التركية ، و هى فى هذا الصدد تعد الأكثر ثراءا برغم قلة حضورها و خفوتها الذى يعزى إلى غياب التيار الممثل لـ " المحافظين " بممثليه حزب الرفاة و زعيمه نجم الدين أربكان ، فالطموح لأسلمة الدولة أو على الأقل رفع وصاية العلمانيين ثم الاندماج الإيجابى فى المحيط الإسلامى و مقاومة المؤثرات التغريبية ، كانت الثالوث الأربكانى الأقدس الذى أظهر أردوغان الكفر به و لو بشكل نسبى و ظاهرى ، و هو بذلك يعكس رؤية قريبة من رؤية " إصلاحيي " إيران الذين لا يرون فائدة من صرف حصة من الاقتصاد القومى لتصدير الثورة و دعم حركات المقاومة ، كما لا يرون بأسا من الانفتاح على القيم الثقافية الغربية و استيعاب قوى غير اسلامية داخل الحلبة السياسية و هو ما تمثله العدلة و التنمية باستيعابها قوى قومية ويسارية داخل صفوفها الحزبية . من ناحية أخرى فإن ممارسات العدالة و التنمية تجاه القضايا العربية و الإسلامية و إن كانت محل إعجاب الأوساط الإسلامية إلا أنها تعبر فى نفس الوقت عن انفتاح على جميع الجبهات حتى تلك التى توصف بالمعادية ، و فى هذا الصدد يأتى إبقاء العلاقة مع اسرائيل كثابت استراتيجى تركى و التنسيق مع الولايات المتحدة مع عدم الدخول فى دائرة التبعية كامور تؤكد هذا الانفتاح ، و هى أمور لا ترى فيها القوى " الإصلاحية " فى إيران غضاضة ، خاصة مع مجىء نائب رئيس الجمهورية الإيرانى الجديد الذى صرح سابقا بأن شعب إسرائيل هو شعب صديق لإيران ، لكن يبقى موقف " المحافظين " على النقيض من ذلك في كل من إيران و تركيا ، فأربكان لم يكن يرى فى إسرائيل مجرد شر لابد منه و إنما كان يراها شرا لابد من التخلص منه ، و لربما استطاع انجاز ذلك لو لا الإقصاءات المتكررة التى تعرض لها ، كما أنه كان يناضل من أجل إرساء كثير من المفردات الإسلامية المستهدفة علمانيا كالحجاب و الاندماج الإسلامى ، و قد كان تسامح أردوغان و مجموعته حولها محركا رئيسيا لما يمكن تسميته بحركة الانشقاق .
فى أفغانستان و الصومال ينعكس الوضع بالنسبة للنموذجين السابقين ، ففى إيران و تركيا كان الانشقاق " إصلاحي " عن مجموع " المحافظين " ، أما فى الصومال و أفغانستان حدث العكس حيث خرجت القوى " المحافظة " من عباءة ما يسميه البعض بتيار " الوسطية " ، و رغم لعب أطراف دولية دورا هاما فى ترسيخ وضع النموذجين " المحافظين " فى الصومال و أفغانستان و هما طالبان و حركة الشباب المجاهدين ، إلا أنهما رغم ذلك ظلا يعبران عن قناعات لا تتزعزع برغم انقلاب هذه الأطراف عليهما ، فطالبان بكل ما أحيط بها من استهداف من قبل الجيش الأمريكى و باكستان و تحالف الشمال الذى يلعب هنا دور " الإصلاحيين " ظلت تتشبث بقناعاتها دون تغير ، فتمتنع عن تسليم بن لادن و الظواهرى ، و ترفض خيار التفاوض بأى شكل من الأشكال و على أى وجه من الوجوه ، و ترفض الديمقراطية التعددية كمشروع لنظام مستقبلى إذا ما خرج المحتل أو لم يخرج ، بل إنها ترفض حتى الإشتراك فى نظام تعددى فى ظل سيادة وطنية ، و هى بذلك تتمايز عن باقى الأجنحة الإسلامية التقليدية الموجودة على الساحة الأفغانية منذ الغزو السوفيتى و التى ترفض طالبان كل أطروحاتها و تصوراتها و تستهدفها شأنها شأن القوات الأمريكية . و هى تتطابق فى تلك المواقف مع حركة الشباب المجاهدين التى اعتمدت العمل العسكرى ، منشقة عن المحاكم الإسلامية لتجميدها أنشطتها المسلحة وتحالفها مع المعارضة الصومالية عام 2007 . و هنا تتجلى مفارقة جديرة بالطرح ، ففى ظل النضال السياسى يكون الانشقاق من قبل " الإصلاحيين " على عكس النضال العسكرى الذى يكون الانشقاق فى ظله من قبل " المحافظين " و هو أمر تحقق فى ساحة خامسة هى الساحة العراقية ، مما يثير تساؤلا مهما فى هذا الصدد و مطابقا لعنوان المقال و لو بصيغة مختلفة : ما هو تفسير هذه الحالة من التشظى التى أصابت العمل الإسلامى ؟ هل هو مجرد خلاف على أولويات و مصالح تتعدد حولها وجهات النظر ؟؟ أم هى العملية السياسية التى تصيب بعض الإسلاميين بشىء من البراجماتية فتدفعهم الى مزيد من التنازلات مما يؤدى إلى إنشقاقات ؟؟ أم هى القوى الخارجية و الدولية التى مارست دور التفريق بين المنظمات و الحركات اليسارية فى السابق و تسعى لممارسة الدور نفسه مع أبناء الحركات الإسلامية الآن عبر الاستمالة و الاختراق ؟ أم أنه الخلاف التقليدى داخل المدرسة الواحدة بين أنصار التجديد و أنصار التقليد ؟؟ أعتقد أن المرحلة القادمة كفيلة بالإجابة على هكذا سؤال

Thursday

تاريخ الإساءة للإسلام فى الفكر و الثقافة الغربيين

العلاقة بين الإسلام و الغرب مسألة متأثرة إلى حد كبير بطبيعة التصورات و الموروثات التراثية التى تكنها ثقافة كل طرف تجاه الطرف الآخر ، كما أنها تتشكل فى نفس الوقت حسب طبيعة الدور الذى تمارسه الآلة الإعلامية و الذى يتأثر بطبيعة الحال بمصالح القوى السياسية و الإقتصادية لدى كل طرف ، فى هذا الإطار تأتى مسألة الإساءة للإسلام و رموزه من قبل سياسيين و مثقفين غربيين كأحد تجليات هذه الإشكالية ذات الجذور التاريخية الموغلة فى القدم .و فى الواقع فإن جذور الإساءة للإسلام فى الفكر و الثقافة الغربيين قد نبتت من رحم الصراعات التى نشبت بين الدولة الإسلامية المبتدئة و الكيانات السياسية الغربية التى مثلتها الامبراطورية الرومانية الشرقية فى البداية ثم الممالك الصليبية الغربية فيما بعد ، حيث خلقت حركة الفتوحات الإسلامية و الحروب الصليبية مناخا مناسبا لترسيخ صورة سلبية للإسلام و المسلمين فى الدول و المجتمعات الغربية التى قامت مؤسساتها لاسيما الكنيسة بعملية تبخيس متعمدة للإسلام كانت عاملا إيجابيا فى صد التمدد الإسلامى المتوغل عسكريا و دعويا .
مع الطفرة الهائلة التى غيرت من معالم الأرضية الثقافية للمجتمعات الغربية بعد التحول من المسيحية إلى العلمانية فإن العقلية الغربية أصبحت أكثر اتساعا لتناول الإسلام دراسة و نقدا ، لكن و بالرغم من هذا التغير الذى طرأ على طبيعة النظرة الغربية للإسلام و التى كان قوامها جيلا من المؤرخين و المفكرين الغربيين من أمثال كارل بروكلمان و برنارد شو و غيرهم ممن أقروا بإسهامات الحضارة الإسلامية و دورها فى تحريك عجلة الإنسانية أماما ، فإن فريقا آخر من هؤلاء راح يرسم صورة أخرى متأثرا بمناخ العداء القديم بين الإسلام و القوميات الأوروبية أو منطلقا من الاختلاف بين الإسلام كمنظومة قيمية و المنظومة القيمية الجديدة التى نشأت من رحم الصراع بين اللاهوت و العلم و هو ما يبدو واضحا فى عمل كمسرحية " محمد " لجان فرانسوا فولتير .
فى القرن العشرين ارتطبت مسألة صورة الإسلام فى الغرب أو موقف الغربيين منه باحتدام التنافس الاستعمارى بين الدول الغربية و الذى كانت كل الدول الإسلامية جزءا من وقوده ، حيث يمكن القول أنه باستثناء موقفى الجنرالين أليمبى و غورو فى الشام فإن واقع مراعاة شعور سكان المستعمرات قد جعل مسألة الإساة للإسلام و انتقاده بمنأى عن السياسيين الغربيين ، بيد أن صورة الإسلام لدى المثقف الغربى بقيت مرتبطة بالواقع الذى كانت تعانيه الأقطار الإسلامية فى ذاك الوقت، حتى أن الكثيرين من هؤلاء المثقفين قد عزى هذا الواقع إلى الابتقاء على الإسلام كخلفية ثقافية و قانونية للمجتمعات الإسلامية .
فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية و بداية الحرب الباردة شهدت استمرارا فى واقع المهادنة من قبل الساسة الغربيين تجاه الإسلام ، و رغم نشوء نزاع ذى بعد دينى بين العرب و إسرائيل فإن الإعلام الغربى لم يكن ينال من الإسلام كعقيدة أو ثقافة ، فطوال هذه الفترة كانت الصورة النمطية السلبية للعربى فى الإعلام الغربى مقولبة فى الأغلب فى شخصية الفلسطينى الثورى الأقرب إلى النمط الفتحاوى و الذى يقوم بخطف الطائرات و تفجيرها و احتجاز الرهائن على غرار ما كانت تقوم به الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ذات التوجه اليسارى ، و لم تدخل أبدا مفردات كالحجاب أو اللحية على الخط بل على العكس فلربما كان الممثل لهذه الصورة السلبية شخصية سافرة كشخصية " داليا " الفلسطينية فى فيلم "الأحد الأسود" 1970م أو أفلام أخرى كـ "انتصار في عنتيبي" و"هجوم على عنتيبي" و "محاكمة إرهابي" (1980م) و غيرها ، بالنسبة للمؤسسات الثقافية الأخرى فإن الانشغال بالتنظير ضد الشيوعية قد استهلك الجانب الأكبر من طاقاتها الانتقادية حتى أن كثيرا من المثقفين و المفكرين الغربيين قد رأى فى الدين الإسلامى سندا له فى هذه المواجهه مع الأيدلوجيا الشيوعية المادية ، و بذا فإنه يمكن أن يقال أنه كانت هناك حالة من العزوف مهاجمة و انتقاد الإسلام لاسيما فى فترة نهاية الخمسينات إلى نهاية الستينات لاسيما و أن النفوذ القومى و العلمانى كان هو المسيطر على النظام السياسى فى أغلب الدول الإسلامية و هو ما جعل الإسلام خارج حلبة الصراع .
مرحلة السبعينات فى القرن الماضى شهدت بداية الظاهرة الإسلامية بتجلياتها المختلفة و ظاهرتاها المؤثرتان بشكل أكبر فى شكل العلاقة بين الدوائر السياسية و الفكرية و الإعلامية فى الغرب و العالم الإسلامى ، الظاهرة الأولى كانت مشروع الجهاد الأفغانى الذى كان نجاحه بمثابة انتهاء للحرب الباردة و التفات كثيرين من الأفغان العرب و غيرهم من أبناء التيارات الإسلامية إلى قضايا إسلامية أخرى غير القضية الأفغانية التى كانت الولايات المتحدة طرفا سلبيا فيها بالنسبة للمسلمين مثل القضية الفلسطينية والقضية العراقية بعد الغزو و الحصار الأمريكى للعراق ، الظاهرة الثانية التى ولدت مع الجهاد الأفغانى كانت قيام نظام جديد فى إيران يمثل الإسلام الحركى ويناصب العداء للولايات المتحدة ، الظاهرتان كانتا تنبئان فى نجاح كل منهما بإمكانية الإصطدام مع الغرب ، غير أن الغرب هو الآخر كان قد خرج بنظرية تنبىء باحتمالية أو ربما حتمية الصدام حيث أقر فى "منتدى الشؤون الأمنية الدولية" في ميونيخ عام 1991م نظرية "الإسلام عدو بديل" وكان الذي استخدم هذا التعبير لأول مرة في محفل سياسي دولي هو وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ديك تشيني ، فى تلك الفترة تحولت صورة المسلم و الإسلام السلبية فى الإعلام الغربى من النموذج العروبى الذى يبتعد بإسلامه عما يرتبط بالسياسة والحكم والتشريع والقوانين ، إلى صورة الأصولى الذى يلتزم الإسلام سمتا و أسلوبا فى الحياة ، و من هنا بدأ التركيز فى الفكر و الإعلام الغربيين على "الأصولية" مع "تصريحات" تقول بتبرئة الإسلام كدين سماوي منها، وتثبيت فكرة أن الأصولية هي "الإسلام السياسي" ، فى هذه الفترة قام الإعلام الغربى بالهجوم على كافة الظواهر الإسلامية حيث تضاعفت الحملة الدعائية في الغرب ضد المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، مع إعطاء مسلسل الجرائم الدموية في الجزائر عنوان "الإرهاب الإسلامي" ، أما على مستوى المثقفين فقد انتهج الغرب ما يمكن تسميته بأسلوب " الاحتفاء بالمارقين " ، حيث استقبل الغرب كثير من المثقفين المنتمين للعالم الإسلامى ممن وجهوا انتقادات شديدة و صريحة للدين الإسلامى من أمثال سلمان رشدى تسليمة نسرين نصر حامد أبو زيد و غيرهم .
بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر ازدادت حدة الهجوم الغربى على الإسلام بحيث أصبح الساسة هم المتصدرون لعملية الإساءة بشكل غير مسبوق على الإطلاق ، فبالإضافة إلى عبارة" الحرب الصليبية " التى جاءت على لسان بوش عقب التفجيرات فقد خرج بيرلسكونى رئيس وزارء إلإيطالى ذى التوجهات اليمينية بتصريحات معادية للإسلام هو الآخر و كذا جون أشكروفت وزير العدل الأمريكى ثم تصريحات رجال الدين الغربيين من أمثال جيرى فالويل و جيرى فاينز و بات روبيرتسون بالإضافة إلى العديد من الأعمال الفنية التى هاجمت الدين الإسلامى بدرجة أودت بحياة أصحابها كما وقع مع المخرج الهولندى فان جوخ ، وحتى تلك الرسوم الدنماركية الأخيرة ، و بغض النظر عن السبب وراء أيا من هذه الإساءات سواء كان فهما مغلوطا أو استهدافا متعمدا فإن مسألة الموقف ككل من الإسلام فى الغرب بالإساءة أو بالإطراء أصبحت من الزخم و الوضوح بحيث تشير إلى حقيقة مهمة و هى أن الغرب يسعى من وراء كل هذه التصريحات و المواقف سواء كانت غزلية أو عدائية لخلق إسلام جديد يستوعب فى داخله القيم الحضارية الغربية و ينبذ ما يصطدم بها من قيم و أن هذه الخطوة من قبل الغرب ستشكل تحديا خطيرا لا مفر منه بالنسبة للمسلمين المقيمين فى المجتمعات الغربية .

السلفية الجهادية .. المسار و المستقبل

السلفية لغة هى العودة إلى ما كان عليه السابقون ، و المقصود بها اصطلاحا : اعتماد الآراء الفقهية و العقدية التى نادى بها علماء مسلمون كأحمد بن حنبل و أحمد بن تيمية و محمد بن عبدالوهاب و غيرهم ، و قد شكل التيار السلفى المعتنق لأفكار هذه المدرسة الجناح الثالث من أجنحة الصحوة الإسلامية السبعيناتية التى جمعته مع تيارين آخرين الاول إخوانى ذا طابع أزهرى و الثانى شيعى اثنى عشرى ، و برغم قوة التيار المستمدة من سعة انتشاره و كونه وليد مدرسة عقدية و فقهية نظر لها عبر التاريخ الإسلامى إلا أنه فشل ــ إلى جانب التيار الإخوانى لأسباب لست بصدد ذكرها ــ فى تحقيق ما نجح فيه التيار الشيعى و هو التحول إلى ثورة شعبية تتمخض عن إقامة نظام يمثل مبادىء التيار و مشروعه .على عكس الإخوان الذين استمروا على نهجهم فى التغيير متعاطين مع العمل السياسى و لعبة الديمقراطية ، فقد تعرض التيار السلفى للانقسام الفكرى و التنظيمى بحيث نشأت اتجاهات سلفية عدة اختلفت فيما بينها حول الموقف من قضايا فكرية كالحاكمية و الجاهلية و الجهاد و العمل السياسى و الموقف من الحكام و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و مسائل أخرى ، و كان من نتائج هذا الانقسام أن نشأ التيار السلفى الجهادى الذى نحن بصدد الحديث عنه .كانت نشأة السلفية الجهادية بمثابة خروج عن الخط السلفى التقليدى الذى التزمه أصحابه السعوديون منذ أن قضى عبدالعزيز آل سعود على تمردات الإخوان ، و لعل ما يؤكد ذلك تصريحات وزير الداخلية السعودى فى العام 2002 من أن جميع مشكلات السعودية ــ و يقصد بالطبع ما له علاقة بالجماعات المسلحة ــ هى من إفرازات الإخوان المسلمين .و برأيى فإن تأثر السلفيين بغيرهم من مفكرى الجماعات الصحوية قد بدأ فى مصر و ليس فى الخليج كما يدعى الكثيرون ، فقد ادى تأثر بعض السلفيين المصريين فى سبعينات القرن الماضى بآراء و كتابات سيد قطب و أبى الأعلى المودودى إلى نشوء فكر سلفى جديد تأطر تنظيميا فى جماعات عدة أهمها " الجهاد " التى بدأ منظرها أيمن الظواهرى التزامه الدينى فى مسجد تابع لجماعة انصار السنة المحمدية بمنطقة المعادى بالقاهرة .و بانتقال هذا الفكر إلى ساحة الجهاد الأفغانى اكتملت معالمه بدخول عبدالله عزام على الخط كمنظر لفكرة الجهاد كأهم فرض من فروض العين و هى التى كان المصرى محمد عبدالسلام فرج قد أشار إلى أهميتها فى كتابه الشهير : " الفريضة الغائبة " ، بانتهاء التجربة الأفغانية كانت تلك الجماعات قد اكتسبت خبرة قتالية عالية و خرجت قيادات على مستوى عال وجدت فى بؤر التوتر فى العالم الإسلامى كالبوسنة و الشيشان و غيرهما متنفسا جهاديا تنشط من خلاله و تكتسب مزيدا من الأنصار .كان استهداف المصالح الامريكية فى نهاية التسعينات الذى بدأ بتفجير السفارتين الأمريكيتين و تدمير المدمرة كول مؤشرا قويا على تغيير هذه الجماعات استراتيجيتها من مقالتة العدو القريب و هو الحكومات الإسلامية أو الدول المعتدية كالصرب و الروس إلى مقاتلة العدو الأقرب و الأقوى و هو الولايات المتحدة الأمريكية ، و هو أمر جعلها الأخطر على مصالح و أمن القوى الغربية التى قبلت التحدى و اعلنت حربا آمن كل طرف بحتميتها ، و منذ بداية هذه الحرب التى اندلعت منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر و حتى الآن فإن كلا من الطرفين قد حقق انتصارات على أرض المعركة ، فالولايات المتحدة استطاعت ان تستغل أحداث الحادى عشر من سبتمبر لتفرض مزيدا من الوصاية على العالم الإسلامى و لإيجاد ذريعة لإحتلال دولتين مسلميتن هما العراق و أفغانستان ، كما استطاعت ان تفقد القاعدة الكثير من قادتها و حرسها القديم كأبى زبيدة و أبى حفص المصرى و أبى الفرج الليبى و الزرقاوى و غيرهم ، إلى جانب ذلك فإن الكثير من مصادر تمويل القاعدة و غيرها من الجماعات الإسلامية قد جمدت نتيجة لسياسة تجفيف المنابع التى اتبعتها الولايات المتحدة الامريكية .من ناحية أخرى فإن القاعدة و التنيظمات السلفية الأخرى قد منحتها الحرب الإعلامية مزيدا من الوهج الإعلامى و هو ما أكسبها مزيدا من الأنصار لاسيما فى البلاد المحتلة أمريكيا كالعراق الذى كان الوجود السلفى به نادرا قبل الاحتلال الأمريكى ، كما أن عولمة محاربة تلك التنظيمات السلفية دفعتها إلى السعى نحو التوحد و هو ما شهدته الساحة العراقية بانضمام الزرقاوى و مجموعته إلى القاعدة ثم السلفية للدعوة و القتال بالجزائر بالإضافة إلى بعض القيادات المصرية بالرغم من الخلافات التى كانت موجودة و أعلن عن بعضها ، و بذلك تكون القاعدة فى طريقها لأن تصبح الممثل الوحيد لجماعت السلفية الجهادية فى العالم .قد تكون القاعدة قد خسرت الكثير من زخمها الإعلامى بالضغوط التى مورست على قناة الجزيرة التى كانت نافذتها الوحيدة ثم بتحول الانظار إلى قضايا أخرى ليست القاعدة طرف فيها كالقضية الفلسطينية ، ثم تأتى الخسارة الكبرى من جراء شبح الأفغنة و الانقسام الذى يتهدد مشروع المقاومة العراقى ، إلا ان الواقع الحالى يؤكد أن القاعدة و السلفية الجهادية بصفة عامة مازالت تحافظ على ثقة الجماهير بها لابقائها على رمزيها ــ بن لادن و الظواهرى ــ إلى الآن دون أن يقتلا أو يقبض عليهما و هو ما يجعل موقف الإدارة الأمريكية و حلفاءها أكثر حرجا ، ثم إن هذه الجماعات نجحت فى تحقيق ما كانت ترنو إليه و هو استدراج الولايات المتحدة إلى ساحات مواجهة مباشرة من خلال احتلالها لدول كالعراق و أفغانستان و هو الامر الذى أعتقد ان الإدارة الأمريكية بصدد بحث مدى جدواه الآن خاصة بعد سقوط أغلب حكومات اليمين المتحالفة مع الولايات المتحدة كحكومة أزنار فى أسبانيا و بيرلسكونى فى إيطاليا ثم سقوط الجمهوريين فى انتخابات الكونجرس فى العام الماضى .

الصحوة القبطية __ المعالم و الأسس

يعيش الوسط القبطى منذ بداية السبعينات ظاهرة ملموسة تعكسها مجموعة من التجليات الدينية و الإجتماعية أرى أن الاصطلاح على تسميتها فى مجموعها بالصحوة القبطية أمرٌُ غير مجافِِِ للواقع ، هذه الظاهرة التى كان من أهم إفرازاتها تلك التغيرات التى طرأت على طبيعة العلاقة بين عموم الجمهور القبطى و نظيره المسلم من جهة و علاقة الأول بمؤسسات الدولة من جهة أخرى ، ثم ما أفرزه هذا التغير فى طبيعة العلاقتين من إشكاليات طائفية اتخذت شكل مصادمات و تظاهرات و عنف فكرى و فعلى بدأ فى التصاعد مع بداية العام ألفين فارضا نفسه بقوة على الواقع المصرى .
و إذا كنا نسلم بأن هذه الظاهرة و ما أفرزته من نتائج قد ساهمت إلى حد كبير إلى جانب عوامل أخرى فى انتاج هذا الواقع الجديد ، فإن دراستها ــ شأنها شأن نظيرتها الإسلامية التى قتلت بحثا ــ تصبح من الأمور الضرورية حيث يمكن من خلال دراستها الوقوف على المعالم و الأسس و المرتكزات الفكرية والمنهجية التى ساعدت على انتشارها و ميزتها عن غيرها من الظواهر الإجتماعية و الثقافية ، بحيث لم تجعلها مجرد ردة فعل عفوية للظاهرة الإسلامية ، أو مجرد ظاهرة مرتبطة بشخص قائدها المتمثل فى القيادة الكنسية ، و عليه فإننى سأقدم ايجازا لتلك الأسس و المعالم بحسب رؤيتى مقتصرا فى طرحى للظاهرة و معالمها و أسسها على التوصيف لا التقييم الذى قد يكون له مجالات أخرى ملخصا تلك العوامل و الأبعاد فيما يلى :
أولا العامل الدينى : إن هذه الصحوة بلا شك بدأت ــ و مازالت بطبيعة الحال ــ ذات طابع دينى ، بحيث ارتبط قيامها بشكل أساسى بتعاظم دور الكنيسة الذى بدأ مع اعتلاء الكرسى البابوى شخصية قبطية يصفها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بأنها شخصية تحس بذاتها و تسعى للعب دور مهم على الساحة الوطنية ، و قد سبق هذا التغير الذى طرأ على الكنيسة تغير آخر فى الواقع الاقتصادى و السياسى للدولة بحيث انهارت فيها طبقة كبار الملاك الزراعيين و الصناعيين التى كان الأقباط يشكلون نسبة لا بأس بها منها ، و بمجىء البابا الجديد حدث تغير آخر على صعيد الكنيسة حيث انتهت الأزمة المالية التى كانت تعانى منها فى عهد البابا كرولوس ، كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تعاظم دور الكنيسة كمؤسسة و حلول دورها كبديل لدور المؤسسات المدنية التى كانت محل نشاط النخب القبطية من إقطاعيين و سياسيين ، و هنا تكمن اولى المفارقات التى تعكس البعد الدينى فى الظاهرة ، فبينما كانت الزعامة القبطية القادرة على توجيه و تحريك مشاعر الجماهير القبطية و اثارة مشكلاتها فيما قبل حركة يوليو تتمثل فى كبار الساسة الليبراليين و الإقطاعيين الأقباط المنخرطين فى الاحزاب السياسية لاسيما الوفد الذى يحمل شعاره الصليب إلى جانب الهلال ، صار الوضع معكوسا مع تغير ظروف الدولة و الكنيسة ، بحيث صار رئيس الطائفة لا رئيس الحزب أو رئيس الوزراء ــ و كلا المنصبين تقلدهما أقباط فى الفترة الليبرالية ــ هو من يمتلك حق التحدث باسم الأقباط و اتخاذ المواقف الكبرى عند بروز حدث طائفى على الساحة ، و بالفعل فمنذ نشوب أزمة الخانكة عام 71 و حتى أزمة وفاء قسطنطين كانت الكنيسة دائما تتصدر الجانب القبطى ساعية لطرح الحلول و متحدية أحيانا لسلطة الدولة ، أما ما يجعل المفارقة أكثر غرابة فهو انضواء بعض العلمانيين الأقباط ممن يؤمنون بل و يطالبون بفصل الدين عن الدولة بشكل أو بآخر تحت لواء الكنيسة فى حراكها بدرجة تدفعهم أحيانا إلى تقديم خطاب يبدو ميتافيزيقيا يتحدث عن العالم القبطي كملكوت بلا حدود، وكيان روحي وحضاري منتشر في أنحاء الأرض وممتد إلي أبواب السموات ، و هكذا فإن نجاح الكنيسة فى تعاطيها مع المعاناة الطائفية التى تعيشها الجماهير القبطية أدى إلى فقد الثقة فى الدولة و مؤسساتها الامر الذى أكسبها فى النهاية ريادة و احتكارا للقضية و هو ما هيأ لها أن تفرض رؤاها النابعة من قناعاتها العقائدية على الظاهرة و على جماهيرها المطالبة دائما برفع المعاناة و الاضطهاد .
ثانيا العامل القومى : بعد آخر شكل أحد أهم سمات هذه الظاهرة مميزا إياها عن نظيرتها الإسلامية و هو البعد القومي ، هذا البعد الذى أخذ يتضح فى أدبيات بعض منظري هذه الصحوة سواء من العلمانيين أو رجال الدين ، وبرغم كونه يبدو مرتبطا أكثر بقناعات النخب القبطية المثقفة و المتدينة ، إلا أن أهميته تكمن فى كونه يسهم إلى حد كبير فى إكساب الظاهرة عاملا يمكن تعبئة الجماهير من خلاله ، يعتمد هذا البعد على رؤية فحواها أن مصر فى الأصل هى دولة قبطية مسيحية و أن المسلمين الذين يمثلهم العنصر العربى هم دخلاء عليها مع التركيز على الجانب الفرعونى فى تاريخ مصر و تمجيده و الادعاء بحتمية عودته ورفض العروبة كهوية ثقافية ، و بغض النظر عن صحة هذه النظرية من عدمها و عن كون البابا شنودة نفى بشدة اعتناقه إياها بعد أن وجهت له فى بداية الثمانينيات تهمة تتعلق بذلك منكرا موضوع الدولة القبطية فى أسيوط متعللا بأسباب لها وجاهتها ، إلا أن ثمة ما يدفع إلى القول بأن هذه الفكرة في مجملها تلقى قبولا و تشكل هاجسا يداعب البعض خاصة بعض المهجريين الذين يروجون لها فى أدبياتهم من وقت لآخر ، و هذا ما يلاحظ لدى الكثيرين فالمطالع لبعض الأدبيات القبطية فى الداخل و التى منها مجلة " الكتيبة الطيبية " التى ترفع شعار إعادة بناء الهوية القبطية أو لبعض أدبيات أقباط المهجر لاسيما على الانترنت يلمس محاولة قوية لإحياء التاريخ القبطى و اجترار أحداث التاريخ المتعلقة بالأقباط و تقديمها بأسلوب يشير إلى ما يمكن تسميته (مظلومية الأقباط التاريخية ) ثم اسقاط هذه الأحداث التاريخية على الواقع المعاصر أو العكس و فى هذا الصدد أورد فقرة من مجلة " صوت مصر الحر " على لسان أديب مجلى أحد الكتاب المهجريين يقول فيها: "أنا القبطي الفرعوني صاحب الأرض، أنا القبطي الشامخ صاحب هذا الوطن الذي سُلِبَ مني منذ الغزو الإسلامي وإلى الآن، وسيرحل قريباً كما رحل من أسبانيا " ، و أكرر بغض النظر عن صحة مثل هذه الادعاءات و الموقف منها الإ أن ترسيخها فى أذهان الجماهير القبطية بشكل أو بآخر ساهم إلى حد كبير فى تجسيد هذه الروح الصحوية الدينية فى كيان مادى له معالمه و دفعها دفعا إلى العمل على تحقيق مشروع يعبر عنها ، و هكذا فإن التركيز على هذا الجانب من الظاهرة يبدو مفيدا لها لاسيما فى هذا الوقت الذى تنهض فيه كل الوطنيات والاثنيات والقوميات لتبحث عن ذاتها وكيانها وخصوصياتها و تسعى فيه القوى الدولية الكبرى لاستثمار مثل هذه التحركات لكسب تحالفات جديدة فى سبيل تحقيق مشاريع التوسع .
ثالثا : إن هذه الظاهرة منذ ولادتها و إلى الآن تتميز بالشمولية و عدم النخبوية حيث تتغلغل فى أوساط اجتماعية قبطية عديدة ، يؤكد ذلك واقع التظاهرات و المصادمات التى تنشب على أساس طائفى و نوعية جمهورها الذى ينتمى إلى الطبقة المتوسطة و تحت المتوسطة ، حيث ينبىء الواقع بأن هاتين الطبقتين و هما اللتان تمثلان الأكثرية من الجمهور القيطى تبدوان أكثر التفافا حول القيادة الكنسية بشكل يجعلها المتجاوب الأكبر مع إملاءات هذه القيادة عقب كل حادث ،بدا ذلك واضحا فى حادثة وفاء قسطنطين حيث استطاعت القيادات الكنسية أن تحشد بسهولة جماهير غفيرة و توجهها للتظاهر داخل كاتدرائية العباسية ، على عكس حال النخبة الثرية التى يدفعها حرصها على عدم الإضرار بمصالحها الاقتصادية إلى عدم التجاوب مع هذه الأحداث بحيث يقتصر دورها على مسألة تقديم التبرعات و المنح و هو ما يسهم فى النهاية فى تقوية سلطة الكنيسة ، و هكذا بدى التغير فى واقع و طبيعة المسألة القبطية واضحا مع نشوء هذه الظاهرة بحيث تغير الوضع من كون الشان القبطى كان دائما ما تاتى إثارته من قبل فئات متميزة اقتصاديا و اجتماعيا تثيره فى اغلب الاحيان لتحقيق مصالح ذاتية بأن قام القطاع الاكبر من الجمهور القبطى بتبنى القضية و الالتفاف حولها مدفوعا فى رأيى بأمرين : الأول : ارتباطه بالكنيسة و رموزها الذين يقدمون له إلى جانب التوجيه الديني و الأخلاقي الدعم و الخدمات عوضا عن الدولة و مؤسساتها التى تعجز فى اغلب الاحيان عن استيعاب هذه الفئات خدميا ، و فى نفس الوقت كون هذه الفئة هي المتضرر الأكبر من إفرازات المسألة الطائفية التى تطفو على السطح من وقت لآخر .
رابعا : تأثرها بمحيطها الإقليمى و الدولى : تأثرت هذه الظاهرة أيضا شأنها شأن نظيرتها الإسلامية بما يطفو علي الساحة الوطنية و العالمية من قوى و أحداث تؤثر فى طبيعة الحراك الاجتماعى و الثقافى ، فكما أن ظاهرة الصحوة الإسلامية تأثرت بشكل بشكل كبير بمناخ الحرب الباردة الذى ساد فى سبعينات و ثمانينات القرن الماضى ، فإن ظاهرة الصحوة القبطية قد تأثرت هى الأخرى بمجموعة من المتغيرات الإقليمية و الدولية ساعدت على تقويتها و أكسبتها عنفوانا و حضورا شعبيا جعلها باستمرار مؤهلة للصدام مع خصومها ، أول هذه العوامل كان نشوء ظاهرة الصحوة الإسلامية و تأثيرها فى معتقدات و ممارسات القاعدة العريضة من جمهور المسلمين ، هذه الظاهرة التى قابلها جمهور الأقباط بالمثل بحيث هرع هو الآخر نحو التدين و الالتحام بالكنيسة مما أفرز نوعا من السجال العقدي الغير معلن بين الظاهرتين ، كان من أهم إفرازات هذا السجال ظهور الدعاة و الكتب و المؤلفات بل و المعجزات كتجلى العذراء حول الكنائس و الحديث عن الإعجاز العلمى فى الإسلام و غيرها من أجل تثبيت المؤمنين و تعميق إيمانهم ، و كنتيجة لهذا الوضع وقعت كثير من حالات التحول الدينى خاصة من الطرف المسيحى ، و لأن أغلب المتحولين كانوا من المسيحيين فإن العسكرة الطائفية كانت هى السبيل الوحيد لوقف مثل هذا النزيف ، على صعيد آخر فقد أسهم عامل آخر فى تجذر هذه الحالة فمع محاولة الجماعات الإسلامية فى صعيد مصر خاصة فى أسيوط ذات الأغلبية المسيحية تحقيق مشروعها بإنشاء مجتمع إسلامى مصطدمة بالدولة و مؤسساتها ، كان من الطبيعى أن يحدث الصدام بين هذه الجماعات و بين القوى القبطية المناهضة و الغير مؤمنة بهذا المشروع تحت أى ذريعة ، و هو الأمر الذى أدى فى النهاية إلى مزيد من هذه العسكرة .على الصعيد الدولى كان لعوامل و اعتبارات خارجية أخرى دور كبير فى الابقاء على هذه الظاهرة و تدعيمها ، فاتجاه دول الغرب و بخاصة الولايات المتحدة إلى اللعب بورقة الأقليات بخاصة تجاه مصر و تبنى اليمين المسيحى فى الغرب لقضايا الأقليات المسيحية فى العالم و العالم العربى بخاصة قوى من الموقف القبطى فى الداخل ، و فى نفس الوقت أدى ارتباط تلك المنظمات و الجاليات القبطية فى الخارج بالكنيسة دون الدولة و لعب الكنيسة بهم كورقة ضغط ضد النظام أحيانا إلى إحدث صدام من وقت لآخر بين الدولة و الكنيسة و هو الأمر الذى أدى بالأقباط كالعادة إلى العزوف عن الدولة و الالتحام بالكنيسة .