Tuesday

25 يناير و المعادلات المستحيلة

هذا المقال كتب بتاريخ 9-3-2012
خمس معادلات سياسية و اجتماعية كان النظام المصري يراهن على استحالة وقوعها و يرى في استحالتها جداراً يحميه من أى تفاعل ثورى من شأنه أن يطيح أو حتى يشكل خطراً يذكر على وضعه و مصيره ، لقد راهن النظام طوال الثلاثين عاماً الأخيرة على كيمياء المجتمع المصري التى كانت تمثل ضماناً لاستحالة أى و بالتالي فإن التهديد الذى طرأ على استمرارية تلك المعادلات كنتيجة لتغير بيئة و جو تفاعلاتها شكلت نذير خطر على النظام الذى كان مستفيداً وحيدا من إتمام المعادلات دى كلها مجتمعة ، و بقراءة فى تفصيل كل معادلة يمكن التبين كيف شكل فشل إتمامها انقلاباً للسحر على الساحر تغير فى طبيعة العناصر و المركبات الداخلة فى المعادلةالمعادلة الأولى : أنا أو الإسلاميون
دفع الصعود الهائل للإسلاميين في بداية عهد مبارك ثم بروزهم كمنافس وحيد للأنظمة العربية مع بداية التسعينات قطاعاً كبيراً من العلمانيين لتنحية خيار إسقاط النظام ، كما دفعهم اعتقادهم بحتمية مجيء القوى الإسلامية التي تبادلهم عداءً أيدلوجياً كبديل منطقي لتلك الأنظمة إلى وقوف بعضهم و خاصة اليسار الماركسي في خندق الديكتاتوريات ، و هو أمر تجلى في سوق بعض منظريهم الذرائع التى تصب فى اتجاه اضطهاد الإسلاميين و البطش بهم ثم مساعدة النظام فى التملص من استحقاقات الديمقراطية عبر تهميش الأغلبية الإسلامية و تزوير الانتخابات ، من ناحية أخرى فقد أدى نجاح نظام مبارك في إفشال أي تحالف إسلامي علماني معارض كما حدث فى تجربة الإخوان و الوفد 84 و الإخوان و العمل 87 إلى تقويض حركة المعارضة و انخفاض سقف طموحاتها ، و كان من نتيجة ذلك أن اندفعت قوى المعارضة بجناحيها الاسلامى و العلماني نحو بعضها البعض و دخلت في حالة من السجال النظري الذي لم يقتصر على صفحات الجرائد و المجلات بل تعداها إلى الأعمال السينمائية و الدرامية ، و عليه فقد تسببت تلك الاتهامات التي ساقتها منابر كل طرف إلى جانب السجال القائم أصلاًً بين يمين العلمانية و يسارها فى إضعاف أداء المعارضة و اضطراب صفوفها و تخبط تحركاتها ، و هي الحالة التي استثمرها نظام مبارك عبر تشجيعه لساحات المزايدات و تبنيه و استمالته لبعض الأصوات العلمانية التي اتخذها أداةً ـ كمجلة روز اليوسف مثلاً ـ في الهجوم على الإسلاميين كخصم سياسي ، و كرد فعل لذلك فقد ارتأت بعض القوى الإسلامية المعتقلة على إثر مواجهات مع نظام مبارك المبالغة فى مهادنة النظام و إضفاء الشرعية على وجوده كحل لفك أسر أعضائها و العودة إلى العمل العام و هو ما وقع من " الجماعة الإسلامية " ، فضلاً عن بعض الأصوات الإسلامية التي كانت ترى عدم جواز معارضة مبارك بأي حال لكونه ولياً للأمر أو على الأقل تأجيل المواجهة معه .
كان هذا المناخ كفيلاً بتقوية موقف النظام و ساعده على الاحتفاظ بكثير من أوراق اللعبة كما ساعده اكتفاء المعارضة بمواقف باهتة على ممارسة الفساد بأعلى درجاته و هو ما نال من مصداقية المعارضة و شعبيتها ، لكن تغيراً ما طرأ على طبيعة المعادلة بعد 11/9 حيث أدى دخول الإدارة الأمريكية كطرف جديد على الساحة و محاولتها فرض مناخ جديد للعمل السياسي عبر الضغط على الأنظمة العربية و بخاصة الحليفة منها و التي تأتى مصر على رأسها إلى تقوية أداء المعارضة العلمانية و الليبرالية منها على وجه التحديد ، هذا التغير النسبي في قواعد اللعبة الديمقراطية في مصر و الذي كانت إدارة بوش ترمى من ورائه إلى تهيئة بيئة سياسية و اجتماعية لا تنتج فكراً مشابه لفكر القاعدة أكسب المعارضة ثقلاً و سمح لها بإعادة ترتيب أوراقها وفق القواعد الجديدة ، وهو أمر أثمر عن مجموعة إجراءات تقاربية بين الجناحين الرئيسيين فكان أن تكونت جمعيات كـ " كفاية " و " الجمعية الوطنية للتغيير " و غيرهما شكلت وعاءاً مكثفاً لنشاط جميع أطياف المعارضة و كان لها الفضل فى الارتفاع بسقف الخطاب المناوىء للنظام ، هذه النتيجة المحمودة على صعيد المعارضة غيرت من رؤى الطرفين سواء الإسلامي أو العلماني ، فالعلمانيون من اليمين و اليسار رأوا أنهم وصلوا بترجيحهم كفة النظام على الإسلاميين إلى فقد كثير من المصداقية و بالتالى الشعبية و أن الوضع الجديد يفرض عليهم قبول الإسلاميين و الانطلاق معهم من القواسم الفكرية المشتركة مدركين أن المعارضة ستستفيد كثيراً من جماهيريتهم ، و هى رؤية بدت واضحة خاصة بين الإخوان و الناصريين و الإخوان و الليبراليين و كذا الجهاديين و بعض الحقوقيين ، و عبرت عنها بعض الصحف الليبرالية و الناصرية عندما كانت تدافع بل و تتبنى أحيانا بعض قضايا الحركة الإسلامية و أولوياتها كقضية وفاء قسطنطين و اعتقالات الإخوان 2007 و كذا تصريحات وزير الثقافة المعادية للحجاب وقام الحقوقيون الليبراليون بفتح ملف المعتقلين من الجماعات الجهادية بل إن المزايدات توقفت حتى عندما خرجت تصريحات من قبل المرشد أشيع أنه يهاجم فيها مصر ، بل و ظهرت شعارات لقوى معارضة علمانية مثل " الاشتراكيين الثوريين " تقول :
"
مع الاسلاميين أحيانا مع النظام أبداً "
فى المقابل كان الإسلاميون قد دفعتهم عولمة و شراسة الحرب الأمريكية عليهم بعد 11/9 إلى تغيير نوعية خطابهم و إضفاء أفكار وطنية و إنسانية على طرحهم الأيدلوجي و الإعلامي ، و هو تغيير لعب دوراً فى التقارب الذي وقع بينهم و بين شركاء المعارضة وعبرت عنه أصوات داخل الإخوان تؤمن بالشراكة الوطنية كسبيل لتقوية صف المعارضة و أكدته مراجعات الجماعة الإسلامية الشهيرة رغم أنها لم تدخل بها إلى سياق المعارضة السياسية ، إلى هذا الحد كان من الممكن الاستفادة من مكتسبات وحدة الصف المعارض و دفعها فى اتجاه منازلة مبارك و هى مكتسبات بلغت ذروتها مع نجاح المعارضة فى انتخابات 2005 و حصول أيمن نور على نسبة تصويت عالية فى انتخابات رئاسة الجمهورية ، و هى مكتسبات أيضاً لم تتبدد رغم التراجع الأمريكي عن دعم الليبراليين و الذى بدأ بمجىء إدارة اوباما و زيارته للمنطقة .
هذه الرؤى الجديدة التى تخلفت لدى الطرفين الإسلامى و العلمانى جعلت من السهل تحقيق الإجماع الوطنى تجاه ما حدث فى 25 يناير ، و هو توحد كان النظام البائد يراهن على استحالة وقوعه لكن و كما قلنا فإن تغير قواعد اللعبة الذى أدى الى تغير فى الرؤى و تعديل فى مسار تيارى العلمانية و الإسلام إلى جانب الدوافع البراجماتية التى ساورت كل منهما فى ابقاء ومضة الثورة مشتعلة إلى النهاية .
لقد سبق اشتعال الثورة كما قلنا يقين بأن المشروع الأحادى لا مكان له الآن على أرض مصر ، و أن الإطاحة بنظام مبارك هى المقدمة الحتمية أمام أى تيار لتحقيق مشروعة ، فى نفس الصدد أكدت ثورة تونس كسابقة ثورية ناجحة و غير مؤدلوجة أن الثورة الناجحة فى العالم العربى لن تكون سوى الثورة الشعبية المزاج و إن قام بها المؤدلجون ، بالنسبة للعلمانيين فقد ساورهم رهان على ميلاد نظام جديد يساهم الإسلاميون بثقلهم فى التهيئة له بشرط أن يبقى أقرب لنموذجي تركيا أو ماليزيا يعيداً عن إيران ، و رأوا أن هكذا وضع سيفتح أمامهم خطوط التمويل و التبنى من قبل دائر السياسة الغربية ، كذلك فقد لاح المشروع التركى المتألق فى الأفق أمام الإسلاميين و هو مشروع و بالتالى فإن الطرفين قد التقوا على نقطة سواء كان النظام كما قلنا مسبقاً يبنى ضمانات جوده على عدميتها ، و لقد مثلت تلك الـ 18 يوماً قمة تجليات انقلاب تلك المعادلة ، فقد استفادت الثورة و كذا الإسلاميون من القبول الغربى الذى تحظى به شخصيات علمانية ، لذلك فقد قبل الإسلاميون فى مصر ـ و من بعدها ليبيا ـ بل حرصوا على تصدير شخصيات كالبرادعى و عمار على حسن و علاء الأسوانى و غيرهم فى مقام الواجهة الخارجية للحراك ، و فى المقابل فقد جرى استثمار قوة الوازع الحركى و الانضباط التنظيمى لدى الإسلاميين و زخمهم الجماهيرى على مدى الـ 18 يوما خاصة يومى الغضب و الجمل ، هذا التوظيف الممتاز لم يكن فى حسبان النظام وقوعه خاصةً و أن له سوابق معكوسة أيام انتفاض 77 التى شجعها اليسار الماركسى و الناصرى و أدانها الإسلاميون و الليبراليون ، لكن و كما قلنا مسبقاً فإن ذلك التغير فى بيئة اللعبة و قواعدها و التى كان مبارك و مستشاروه يغضون الطرف عنه مندفعين فى مشروع التوريث كان العامل الحفاز لانقلاب معادلة ( أنا أو الإسلاميون )