Thursday

تاريخ الإساءة للإسلام فى الفكر و الثقافة الغربيين

العلاقة بين الإسلام و الغرب مسألة متأثرة إلى حد كبير بطبيعة التصورات و الموروثات التراثية التى تكنها ثقافة كل طرف تجاه الطرف الآخر ، كما أنها تتشكل فى نفس الوقت حسب طبيعة الدور الذى تمارسه الآلة الإعلامية و الذى يتأثر بطبيعة الحال بمصالح القوى السياسية و الإقتصادية لدى كل طرف ، فى هذا الإطار تأتى مسألة الإساءة للإسلام و رموزه من قبل سياسيين و مثقفين غربيين كأحد تجليات هذه الإشكالية ذات الجذور التاريخية الموغلة فى القدم .و فى الواقع فإن جذور الإساءة للإسلام فى الفكر و الثقافة الغربيين قد نبتت من رحم الصراعات التى نشبت بين الدولة الإسلامية المبتدئة و الكيانات السياسية الغربية التى مثلتها الامبراطورية الرومانية الشرقية فى البداية ثم الممالك الصليبية الغربية فيما بعد ، حيث خلقت حركة الفتوحات الإسلامية و الحروب الصليبية مناخا مناسبا لترسيخ صورة سلبية للإسلام و المسلمين فى الدول و المجتمعات الغربية التى قامت مؤسساتها لاسيما الكنيسة بعملية تبخيس متعمدة للإسلام كانت عاملا إيجابيا فى صد التمدد الإسلامى المتوغل عسكريا و دعويا .
مع الطفرة الهائلة التى غيرت من معالم الأرضية الثقافية للمجتمعات الغربية بعد التحول من المسيحية إلى العلمانية فإن العقلية الغربية أصبحت أكثر اتساعا لتناول الإسلام دراسة و نقدا ، لكن و بالرغم من هذا التغير الذى طرأ على طبيعة النظرة الغربية للإسلام و التى كان قوامها جيلا من المؤرخين و المفكرين الغربيين من أمثال كارل بروكلمان و برنارد شو و غيرهم ممن أقروا بإسهامات الحضارة الإسلامية و دورها فى تحريك عجلة الإنسانية أماما ، فإن فريقا آخر من هؤلاء راح يرسم صورة أخرى متأثرا بمناخ العداء القديم بين الإسلام و القوميات الأوروبية أو منطلقا من الاختلاف بين الإسلام كمنظومة قيمية و المنظومة القيمية الجديدة التى نشأت من رحم الصراع بين اللاهوت و العلم و هو ما يبدو واضحا فى عمل كمسرحية " محمد " لجان فرانسوا فولتير .
فى القرن العشرين ارتطبت مسألة صورة الإسلام فى الغرب أو موقف الغربيين منه باحتدام التنافس الاستعمارى بين الدول الغربية و الذى كانت كل الدول الإسلامية جزءا من وقوده ، حيث يمكن القول أنه باستثناء موقفى الجنرالين أليمبى و غورو فى الشام فإن واقع مراعاة شعور سكان المستعمرات قد جعل مسألة الإساة للإسلام و انتقاده بمنأى عن السياسيين الغربيين ، بيد أن صورة الإسلام لدى المثقف الغربى بقيت مرتبطة بالواقع الذى كانت تعانيه الأقطار الإسلامية فى ذاك الوقت، حتى أن الكثيرين من هؤلاء المثقفين قد عزى هذا الواقع إلى الابتقاء على الإسلام كخلفية ثقافية و قانونية للمجتمعات الإسلامية .
فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية و بداية الحرب الباردة شهدت استمرارا فى واقع المهادنة من قبل الساسة الغربيين تجاه الإسلام ، و رغم نشوء نزاع ذى بعد دينى بين العرب و إسرائيل فإن الإعلام الغربى لم يكن ينال من الإسلام كعقيدة أو ثقافة ، فطوال هذه الفترة كانت الصورة النمطية السلبية للعربى فى الإعلام الغربى مقولبة فى الأغلب فى شخصية الفلسطينى الثورى الأقرب إلى النمط الفتحاوى و الذى يقوم بخطف الطائرات و تفجيرها و احتجاز الرهائن على غرار ما كانت تقوم به الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ذات التوجه اليسارى ، و لم تدخل أبدا مفردات كالحجاب أو اللحية على الخط بل على العكس فلربما كان الممثل لهذه الصورة السلبية شخصية سافرة كشخصية " داليا " الفلسطينية فى فيلم "الأحد الأسود" 1970م أو أفلام أخرى كـ "انتصار في عنتيبي" و"هجوم على عنتيبي" و "محاكمة إرهابي" (1980م) و غيرها ، بالنسبة للمؤسسات الثقافية الأخرى فإن الانشغال بالتنظير ضد الشيوعية قد استهلك الجانب الأكبر من طاقاتها الانتقادية حتى أن كثيرا من المثقفين و المفكرين الغربيين قد رأى فى الدين الإسلامى سندا له فى هذه المواجهه مع الأيدلوجيا الشيوعية المادية ، و بذا فإنه يمكن أن يقال أنه كانت هناك حالة من العزوف مهاجمة و انتقاد الإسلام لاسيما فى فترة نهاية الخمسينات إلى نهاية الستينات لاسيما و أن النفوذ القومى و العلمانى كان هو المسيطر على النظام السياسى فى أغلب الدول الإسلامية و هو ما جعل الإسلام خارج حلبة الصراع .
مرحلة السبعينات فى القرن الماضى شهدت بداية الظاهرة الإسلامية بتجلياتها المختلفة و ظاهرتاها المؤثرتان بشكل أكبر فى شكل العلاقة بين الدوائر السياسية و الفكرية و الإعلامية فى الغرب و العالم الإسلامى ، الظاهرة الأولى كانت مشروع الجهاد الأفغانى الذى كان نجاحه بمثابة انتهاء للحرب الباردة و التفات كثيرين من الأفغان العرب و غيرهم من أبناء التيارات الإسلامية إلى قضايا إسلامية أخرى غير القضية الأفغانية التى كانت الولايات المتحدة طرفا سلبيا فيها بالنسبة للمسلمين مثل القضية الفلسطينية والقضية العراقية بعد الغزو و الحصار الأمريكى للعراق ، الظاهرة الثانية التى ولدت مع الجهاد الأفغانى كانت قيام نظام جديد فى إيران يمثل الإسلام الحركى ويناصب العداء للولايات المتحدة ، الظاهرتان كانتا تنبئان فى نجاح كل منهما بإمكانية الإصطدام مع الغرب ، غير أن الغرب هو الآخر كان قد خرج بنظرية تنبىء باحتمالية أو ربما حتمية الصدام حيث أقر فى "منتدى الشؤون الأمنية الدولية" في ميونيخ عام 1991م نظرية "الإسلام عدو بديل" وكان الذي استخدم هذا التعبير لأول مرة في محفل سياسي دولي هو وزير الدفاع الأمريكي آنذاك ديك تشيني ، فى تلك الفترة تحولت صورة المسلم و الإسلام السلبية فى الإعلام الغربى من النموذج العروبى الذى يبتعد بإسلامه عما يرتبط بالسياسة والحكم والتشريع والقوانين ، إلى صورة الأصولى الذى يلتزم الإسلام سمتا و أسلوبا فى الحياة ، و من هنا بدأ التركيز فى الفكر و الإعلام الغربيين على "الأصولية" مع "تصريحات" تقول بتبرئة الإسلام كدين سماوي منها، وتثبيت فكرة أن الأصولية هي "الإسلام السياسي" ، فى هذه الفترة قام الإعلام الغربى بالهجوم على كافة الظواهر الإسلامية حيث تضاعفت الحملة الدعائية في الغرب ضد المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، مع إعطاء مسلسل الجرائم الدموية في الجزائر عنوان "الإرهاب الإسلامي" ، أما على مستوى المثقفين فقد انتهج الغرب ما يمكن تسميته بأسلوب " الاحتفاء بالمارقين " ، حيث استقبل الغرب كثير من المثقفين المنتمين للعالم الإسلامى ممن وجهوا انتقادات شديدة و صريحة للدين الإسلامى من أمثال سلمان رشدى تسليمة نسرين نصر حامد أبو زيد و غيرهم .
بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر ازدادت حدة الهجوم الغربى على الإسلام بحيث أصبح الساسة هم المتصدرون لعملية الإساءة بشكل غير مسبوق على الإطلاق ، فبالإضافة إلى عبارة" الحرب الصليبية " التى جاءت على لسان بوش عقب التفجيرات فقد خرج بيرلسكونى رئيس وزارء إلإيطالى ذى التوجهات اليمينية بتصريحات معادية للإسلام هو الآخر و كذا جون أشكروفت وزير العدل الأمريكى ثم تصريحات رجال الدين الغربيين من أمثال جيرى فالويل و جيرى فاينز و بات روبيرتسون بالإضافة إلى العديد من الأعمال الفنية التى هاجمت الدين الإسلامى بدرجة أودت بحياة أصحابها كما وقع مع المخرج الهولندى فان جوخ ، وحتى تلك الرسوم الدنماركية الأخيرة ، و بغض النظر عن السبب وراء أيا من هذه الإساءات سواء كان فهما مغلوطا أو استهدافا متعمدا فإن مسألة الموقف ككل من الإسلام فى الغرب بالإساءة أو بالإطراء أصبحت من الزخم و الوضوح بحيث تشير إلى حقيقة مهمة و هى أن الغرب يسعى من وراء كل هذه التصريحات و المواقف سواء كانت غزلية أو عدائية لخلق إسلام جديد يستوعب فى داخله القيم الحضارية الغربية و ينبذ ما يصطدم بها من قيم و أن هذه الخطوة من قبل الغرب ستشكل تحديا خطيرا لا مفر منه بالنسبة للمسلمين المقيمين فى المجتمعات الغربية .

السلفية الجهادية .. المسار و المستقبل

السلفية لغة هى العودة إلى ما كان عليه السابقون ، و المقصود بها اصطلاحا : اعتماد الآراء الفقهية و العقدية التى نادى بها علماء مسلمون كأحمد بن حنبل و أحمد بن تيمية و محمد بن عبدالوهاب و غيرهم ، و قد شكل التيار السلفى المعتنق لأفكار هذه المدرسة الجناح الثالث من أجنحة الصحوة الإسلامية السبعيناتية التى جمعته مع تيارين آخرين الاول إخوانى ذا طابع أزهرى و الثانى شيعى اثنى عشرى ، و برغم قوة التيار المستمدة من سعة انتشاره و كونه وليد مدرسة عقدية و فقهية نظر لها عبر التاريخ الإسلامى إلا أنه فشل ــ إلى جانب التيار الإخوانى لأسباب لست بصدد ذكرها ــ فى تحقيق ما نجح فيه التيار الشيعى و هو التحول إلى ثورة شعبية تتمخض عن إقامة نظام يمثل مبادىء التيار و مشروعه .على عكس الإخوان الذين استمروا على نهجهم فى التغيير متعاطين مع العمل السياسى و لعبة الديمقراطية ، فقد تعرض التيار السلفى للانقسام الفكرى و التنظيمى بحيث نشأت اتجاهات سلفية عدة اختلفت فيما بينها حول الموقف من قضايا فكرية كالحاكمية و الجاهلية و الجهاد و العمل السياسى و الموقف من الحكام و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و مسائل أخرى ، و كان من نتائج هذا الانقسام أن نشأ التيار السلفى الجهادى الذى نحن بصدد الحديث عنه .كانت نشأة السلفية الجهادية بمثابة خروج عن الخط السلفى التقليدى الذى التزمه أصحابه السعوديون منذ أن قضى عبدالعزيز آل سعود على تمردات الإخوان ، و لعل ما يؤكد ذلك تصريحات وزير الداخلية السعودى فى العام 2002 من أن جميع مشكلات السعودية ــ و يقصد بالطبع ما له علاقة بالجماعات المسلحة ــ هى من إفرازات الإخوان المسلمين .و برأيى فإن تأثر السلفيين بغيرهم من مفكرى الجماعات الصحوية قد بدأ فى مصر و ليس فى الخليج كما يدعى الكثيرون ، فقد ادى تأثر بعض السلفيين المصريين فى سبعينات القرن الماضى بآراء و كتابات سيد قطب و أبى الأعلى المودودى إلى نشوء فكر سلفى جديد تأطر تنظيميا فى جماعات عدة أهمها " الجهاد " التى بدأ منظرها أيمن الظواهرى التزامه الدينى فى مسجد تابع لجماعة انصار السنة المحمدية بمنطقة المعادى بالقاهرة .و بانتقال هذا الفكر إلى ساحة الجهاد الأفغانى اكتملت معالمه بدخول عبدالله عزام على الخط كمنظر لفكرة الجهاد كأهم فرض من فروض العين و هى التى كان المصرى محمد عبدالسلام فرج قد أشار إلى أهميتها فى كتابه الشهير : " الفريضة الغائبة " ، بانتهاء التجربة الأفغانية كانت تلك الجماعات قد اكتسبت خبرة قتالية عالية و خرجت قيادات على مستوى عال وجدت فى بؤر التوتر فى العالم الإسلامى كالبوسنة و الشيشان و غيرهما متنفسا جهاديا تنشط من خلاله و تكتسب مزيدا من الأنصار .كان استهداف المصالح الامريكية فى نهاية التسعينات الذى بدأ بتفجير السفارتين الأمريكيتين و تدمير المدمرة كول مؤشرا قويا على تغيير هذه الجماعات استراتيجيتها من مقالتة العدو القريب و هو الحكومات الإسلامية أو الدول المعتدية كالصرب و الروس إلى مقاتلة العدو الأقرب و الأقوى و هو الولايات المتحدة الأمريكية ، و هو أمر جعلها الأخطر على مصالح و أمن القوى الغربية التى قبلت التحدى و اعلنت حربا آمن كل طرف بحتميتها ، و منذ بداية هذه الحرب التى اندلعت منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر و حتى الآن فإن كلا من الطرفين قد حقق انتصارات على أرض المعركة ، فالولايات المتحدة استطاعت ان تستغل أحداث الحادى عشر من سبتمبر لتفرض مزيدا من الوصاية على العالم الإسلامى و لإيجاد ذريعة لإحتلال دولتين مسلميتن هما العراق و أفغانستان ، كما استطاعت ان تفقد القاعدة الكثير من قادتها و حرسها القديم كأبى زبيدة و أبى حفص المصرى و أبى الفرج الليبى و الزرقاوى و غيرهم ، إلى جانب ذلك فإن الكثير من مصادر تمويل القاعدة و غيرها من الجماعات الإسلامية قد جمدت نتيجة لسياسة تجفيف المنابع التى اتبعتها الولايات المتحدة الامريكية .من ناحية أخرى فإن القاعدة و التنيظمات السلفية الأخرى قد منحتها الحرب الإعلامية مزيدا من الوهج الإعلامى و هو ما أكسبها مزيدا من الأنصار لاسيما فى البلاد المحتلة أمريكيا كالعراق الذى كان الوجود السلفى به نادرا قبل الاحتلال الأمريكى ، كما أن عولمة محاربة تلك التنظيمات السلفية دفعتها إلى السعى نحو التوحد و هو ما شهدته الساحة العراقية بانضمام الزرقاوى و مجموعته إلى القاعدة ثم السلفية للدعوة و القتال بالجزائر بالإضافة إلى بعض القيادات المصرية بالرغم من الخلافات التى كانت موجودة و أعلن عن بعضها ، و بذلك تكون القاعدة فى طريقها لأن تصبح الممثل الوحيد لجماعت السلفية الجهادية فى العالم .قد تكون القاعدة قد خسرت الكثير من زخمها الإعلامى بالضغوط التى مورست على قناة الجزيرة التى كانت نافذتها الوحيدة ثم بتحول الانظار إلى قضايا أخرى ليست القاعدة طرف فيها كالقضية الفلسطينية ، ثم تأتى الخسارة الكبرى من جراء شبح الأفغنة و الانقسام الذى يتهدد مشروع المقاومة العراقى ، إلا ان الواقع الحالى يؤكد أن القاعدة و السلفية الجهادية بصفة عامة مازالت تحافظ على ثقة الجماهير بها لابقائها على رمزيها ــ بن لادن و الظواهرى ــ إلى الآن دون أن يقتلا أو يقبض عليهما و هو ما يجعل موقف الإدارة الأمريكية و حلفاءها أكثر حرجا ، ثم إن هذه الجماعات نجحت فى تحقيق ما كانت ترنو إليه و هو استدراج الولايات المتحدة إلى ساحات مواجهة مباشرة من خلال احتلالها لدول كالعراق و أفغانستان و هو الامر الذى أعتقد ان الإدارة الأمريكية بصدد بحث مدى جدواه الآن خاصة بعد سقوط أغلب حكومات اليمين المتحالفة مع الولايات المتحدة كحكومة أزنار فى أسبانيا و بيرلسكونى فى إيطاليا ثم سقوط الجمهوريين فى انتخابات الكونجرس فى العام الماضى .

الصحوة القبطية __ المعالم و الأسس

يعيش الوسط القبطى منذ بداية السبعينات ظاهرة ملموسة تعكسها مجموعة من التجليات الدينية و الإجتماعية أرى أن الاصطلاح على تسميتها فى مجموعها بالصحوة القبطية أمرٌُ غير مجافِِِ للواقع ، هذه الظاهرة التى كان من أهم إفرازاتها تلك التغيرات التى طرأت على طبيعة العلاقة بين عموم الجمهور القبطى و نظيره المسلم من جهة و علاقة الأول بمؤسسات الدولة من جهة أخرى ، ثم ما أفرزه هذا التغير فى طبيعة العلاقتين من إشكاليات طائفية اتخذت شكل مصادمات و تظاهرات و عنف فكرى و فعلى بدأ فى التصاعد مع بداية العام ألفين فارضا نفسه بقوة على الواقع المصرى .
و إذا كنا نسلم بأن هذه الظاهرة و ما أفرزته من نتائج قد ساهمت إلى حد كبير إلى جانب عوامل أخرى فى انتاج هذا الواقع الجديد ، فإن دراستها ــ شأنها شأن نظيرتها الإسلامية التى قتلت بحثا ــ تصبح من الأمور الضرورية حيث يمكن من خلال دراستها الوقوف على المعالم و الأسس و المرتكزات الفكرية والمنهجية التى ساعدت على انتشارها و ميزتها عن غيرها من الظواهر الإجتماعية و الثقافية ، بحيث لم تجعلها مجرد ردة فعل عفوية للظاهرة الإسلامية ، أو مجرد ظاهرة مرتبطة بشخص قائدها المتمثل فى القيادة الكنسية ، و عليه فإننى سأقدم ايجازا لتلك الأسس و المعالم بحسب رؤيتى مقتصرا فى طرحى للظاهرة و معالمها و أسسها على التوصيف لا التقييم الذى قد يكون له مجالات أخرى ملخصا تلك العوامل و الأبعاد فيما يلى :
أولا العامل الدينى : إن هذه الصحوة بلا شك بدأت ــ و مازالت بطبيعة الحال ــ ذات طابع دينى ، بحيث ارتبط قيامها بشكل أساسى بتعاظم دور الكنيسة الذى بدأ مع اعتلاء الكرسى البابوى شخصية قبطية يصفها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بأنها شخصية تحس بذاتها و تسعى للعب دور مهم على الساحة الوطنية ، و قد سبق هذا التغير الذى طرأ على الكنيسة تغير آخر فى الواقع الاقتصادى و السياسى للدولة بحيث انهارت فيها طبقة كبار الملاك الزراعيين و الصناعيين التى كان الأقباط يشكلون نسبة لا بأس بها منها ، و بمجىء البابا الجديد حدث تغير آخر على صعيد الكنيسة حيث انتهت الأزمة المالية التى كانت تعانى منها فى عهد البابا كرولوس ، كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تعاظم دور الكنيسة كمؤسسة و حلول دورها كبديل لدور المؤسسات المدنية التى كانت محل نشاط النخب القبطية من إقطاعيين و سياسيين ، و هنا تكمن اولى المفارقات التى تعكس البعد الدينى فى الظاهرة ، فبينما كانت الزعامة القبطية القادرة على توجيه و تحريك مشاعر الجماهير القبطية و اثارة مشكلاتها فيما قبل حركة يوليو تتمثل فى كبار الساسة الليبراليين و الإقطاعيين الأقباط المنخرطين فى الاحزاب السياسية لاسيما الوفد الذى يحمل شعاره الصليب إلى جانب الهلال ، صار الوضع معكوسا مع تغير ظروف الدولة و الكنيسة ، بحيث صار رئيس الطائفة لا رئيس الحزب أو رئيس الوزراء ــ و كلا المنصبين تقلدهما أقباط فى الفترة الليبرالية ــ هو من يمتلك حق التحدث باسم الأقباط و اتخاذ المواقف الكبرى عند بروز حدث طائفى على الساحة ، و بالفعل فمنذ نشوب أزمة الخانكة عام 71 و حتى أزمة وفاء قسطنطين كانت الكنيسة دائما تتصدر الجانب القبطى ساعية لطرح الحلول و متحدية أحيانا لسلطة الدولة ، أما ما يجعل المفارقة أكثر غرابة فهو انضواء بعض العلمانيين الأقباط ممن يؤمنون بل و يطالبون بفصل الدين عن الدولة بشكل أو بآخر تحت لواء الكنيسة فى حراكها بدرجة تدفعهم أحيانا إلى تقديم خطاب يبدو ميتافيزيقيا يتحدث عن العالم القبطي كملكوت بلا حدود، وكيان روحي وحضاري منتشر في أنحاء الأرض وممتد إلي أبواب السموات ، و هكذا فإن نجاح الكنيسة فى تعاطيها مع المعاناة الطائفية التى تعيشها الجماهير القبطية أدى إلى فقد الثقة فى الدولة و مؤسساتها الامر الذى أكسبها فى النهاية ريادة و احتكارا للقضية و هو ما هيأ لها أن تفرض رؤاها النابعة من قناعاتها العقائدية على الظاهرة و على جماهيرها المطالبة دائما برفع المعاناة و الاضطهاد .
ثانيا العامل القومى : بعد آخر شكل أحد أهم سمات هذه الظاهرة مميزا إياها عن نظيرتها الإسلامية و هو البعد القومي ، هذا البعد الذى أخذ يتضح فى أدبيات بعض منظري هذه الصحوة سواء من العلمانيين أو رجال الدين ، وبرغم كونه يبدو مرتبطا أكثر بقناعات النخب القبطية المثقفة و المتدينة ، إلا أن أهميته تكمن فى كونه يسهم إلى حد كبير فى إكساب الظاهرة عاملا يمكن تعبئة الجماهير من خلاله ، يعتمد هذا البعد على رؤية فحواها أن مصر فى الأصل هى دولة قبطية مسيحية و أن المسلمين الذين يمثلهم العنصر العربى هم دخلاء عليها مع التركيز على الجانب الفرعونى فى تاريخ مصر و تمجيده و الادعاء بحتمية عودته ورفض العروبة كهوية ثقافية ، و بغض النظر عن صحة هذه النظرية من عدمها و عن كون البابا شنودة نفى بشدة اعتناقه إياها بعد أن وجهت له فى بداية الثمانينيات تهمة تتعلق بذلك منكرا موضوع الدولة القبطية فى أسيوط متعللا بأسباب لها وجاهتها ، إلا أن ثمة ما يدفع إلى القول بأن هذه الفكرة في مجملها تلقى قبولا و تشكل هاجسا يداعب البعض خاصة بعض المهجريين الذين يروجون لها فى أدبياتهم من وقت لآخر ، و هذا ما يلاحظ لدى الكثيرين فالمطالع لبعض الأدبيات القبطية فى الداخل و التى منها مجلة " الكتيبة الطيبية " التى ترفع شعار إعادة بناء الهوية القبطية أو لبعض أدبيات أقباط المهجر لاسيما على الانترنت يلمس محاولة قوية لإحياء التاريخ القبطى و اجترار أحداث التاريخ المتعلقة بالأقباط و تقديمها بأسلوب يشير إلى ما يمكن تسميته (مظلومية الأقباط التاريخية ) ثم اسقاط هذه الأحداث التاريخية على الواقع المعاصر أو العكس و فى هذا الصدد أورد فقرة من مجلة " صوت مصر الحر " على لسان أديب مجلى أحد الكتاب المهجريين يقول فيها: "أنا القبطي الفرعوني صاحب الأرض، أنا القبطي الشامخ صاحب هذا الوطن الذي سُلِبَ مني منذ الغزو الإسلامي وإلى الآن، وسيرحل قريباً كما رحل من أسبانيا " ، و أكرر بغض النظر عن صحة مثل هذه الادعاءات و الموقف منها الإ أن ترسيخها فى أذهان الجماهير القبطية بشكل أو بآخر ساهم إلى حد كبير فى تجسيد هذه الروح الصحوية الدينية فى كيان مادى له معالمه و دفعها دفعا إلى العمل على تحقيق مشروع يعبر عنها ، و هكذا فإن التركيز على هذا الجانب من الظاهرة يبدو مفيدا لها لاسيما فى هذا الوقت الذى تنهض فيه كل الوطنيات والاثنيات والقوميات لتبحث عن ذاتها وكيانها وخصوصياتها و تسعى فيه القوى الدولية الكبرى لاستثمار مثل هذه التحركات لكسب تحالفات جديدة فى سبيل تحقيق مشاريع التوسع .
ثالثا : إن هذه الظاهرة منذ ولادتها و إلى الآن تتميز بالشمولية و عدم النخبوية حيث تتغلغل فى أوساط اجتماعية قبطية عديدة ، يؤكد ذلك واقع التظاهرات و المصادمات التى تنشب على أساس طائفى و نوعية جمهورها الذى ينتمى إلى الطبقة المتوسطة و تحت المتوسطة ، حيث ينبىء الواقع بأن هاتين الطبقتين و هما اللتان تمثلان الأكثرية من الجمهور القيطى تبدوان أكثر التفافا حول القيادة الكنسية بشكل يجعلها المتجاوب الأكبر مع إملاءات هذه القيادة عقب كل حادث ،بدا ذلك واضحا فى حادثة وفاء قسطنطين حيث استطاعت القيادات الكنسية أن تحشد بسهولة جماهير غفيرة و توجهها للتظاهر داخل كاتدرائية العباسية ، على عكس حال النخبة الثرية التى يدفعها حرصها على عدم الإضرار بمصالحها الاقتصادية إلى عدم التجاوب مع هذه الأحداث بحيث يقتصر دورها على مسألة تقديم التبرعات و المنح و هو ما يسهم فى النهاية فى تقوية سلطة الكنيسة ، و هكذا بدى التغير فى واقع و طبيعة المسألة القبطية واضحا مع نشوء هذه الظاهرة بحيث تغير الوضع من كون الشان القبطى كان دائما ما تاتى إثارته من قبل فئات متميزة اقتصاديا و اجتماعيا تثيره فى اغلب الاحيان لتحقيق مصالح ذاتية بأن قام القطاع الاكبر من الجمهور القبطى بتبنى القضية و الالتفاف حولها مدفوعا فى رأيى بأمرين : الأول : ارتباطه بالكنيسة و رموزها الذين يقدمون له إلى جانب التوجيه الديني و الأخلاقي الدعم و الخدمات عوضا عن الدولة و مؤسساتها التى تعجز فى اغلب الاحيان عن استيعاب هذه الفئات خدميا ، و فى نفس الوقت كون هذه الفئة هي المتضرر الأكبر من إفرازات المسألة الطائفية التى تطفو على السطح من وقت لآخر .
رابعا : تأثرها بمحيطها الإقليمى و الدولى : تأثرت هذه الظاهرة أيضا شأنها شأن نظيرتها الإسلامية بما يطفو علي الساحة الوطنية و العالمية من قوى و أحداث تؤثر فى طبيعة الحراك الاجتماعى و الثقافى ، فكما أن ظاهرة الصحوة الإسلامية تأثرت بشكل بشكل كبير بمناخ الحرب الباردة الذى ساد فى سبعينات و ثمانينات القرن الماضى ، فإن ظاهرة الصحوة القبطية قد تأثرت هى الأخرى بمجموعة من المتغيرات الإقليمية و الدولية ساعدت على تقويتها و أكسبتها عنفوانا و حضورا شعبيا جعلها باستمرار مؤهلة للصدام مع خصومها ، أول هذه العوامل كان نشوء ظاهرة الصحوة الإسلامية و تأثيرها فى معتقدات و ممارسات القاعدة العريضة من جمهور المسلمين ، هذه الظاهرة التى قابلها جمهور الأقباط بالمثل بحيث هرع هو الآخر نحو التدين و الالتحام بالكنيسة مما أفرز نوعا من السجال العقدي الغير معلن بين الظاهرتين ، كان من أهم إفرازات هذا السجال ظهور الدعاة و الكتب و المؤلفات بل و المعجزات كتجلى العذراء حول الكنائس و الحديث عن الإعجاز العلمى فى الإسلام و غيرها من أجل تثبيت المؤمنين و تعميق إيمانهم ، و كنتيجة لهذا الوضع وقعت كثير من حالات التحول الدينى خاصة من الطرف المسيحى ، و لأن أغلب المتحولين كانوا من المسيحيين فإن العسكرة الطائفية كانت هى السبيل الوحيد لوقف مثل هذا النزيف ، على صعيد آخر فقد أسهم عامل آخر فى تجذر هذه الحالة فمع محاولة الجماعات الإسلامية فى صعيد مصر خاصة فى أسيوط ذات الأغلبية المسيحية تحقيق مشروعها بإنشاء مجتمع إسلامى مصطدمة بالدولة و مؤسساتها ، كان من الطبيعى أن يحدث الصدام بين هذه الجماعات و بين القوى القبطية المناهضة و الغير مؤمنة بهذا المشروع تحت أى ذريعة ، و هو الأمر الذى أدى فى النهاية إلى مزيد من هذه العسكرة .على الصعيد الدولى كان لعوامل و اعتبارات خارجية أخرى دور كبير فى الابقاء على هذه الظاهرة و تدعيمها ، فاتجاه دول الغرب و بخاصة الولايات المتحدة إلى اللعب بورقة الأقليات بخاصة تجاه مصر و تبنى اليمين المسيحى فى الغرب لقضايا الأقليات المسيحية فى العالم و العالم العربى بخاصة قوى من الموقف القبطى فى الداخل ، و فى نفس الوقت أدى ارتباط تلك المنظمات و الجاليات القبطية فى الخارج بالكنيسة دون الدولة و لعب الكنيسة بهم كورقة ضغط ضد النظام أحيانا إلى إحدث صدام من وقت لآخر بين الدولة و الكنيسة و هو الأمر الذى أدى بالأقباط كالعادة إلى العزوف عن الدولة و الالتحام بالكنيسة .