Thursday

السلفية الجهادية .. المسار و المستقبل

السلفية لغة هى العودة إلى ما كان عليه السابقون ، و المقصود بها اصطلاحا : اعتماد الآراء الفقهية و العقدية التى نادى بها علماء مسلمون كأحمد بن حنبل و أحمد بن تيمية و محمد بن عبدالوهاب و غيرهم ، و قد شكل التيار السلفى المعتنق لأفكار هذه المدرسة الجناح الثالث من أجنحة الصحوة الإسلامية السبعيناتية التى جمعته مع تيارين آخرين الاول إخوانى ذا طابع أزهرى و الثانى شيعى اثنى عشرى ، و برغم قوة التيار المستمدة من سعة انتشاره و كونه وليد مدرسة عقدية و فقهية نظر لها عبر التاريخ الإسلامى إلا أنه فشل ــ إلى جانب التيار الإخوانى لأسباب لست بصدد ذكرها ــ فى تحقيق ما نجح فيه التيار الشيعى و هو التحول إلى ثورة شعبية تتمخض عن إقامة نظام يمثل مبادىء التيار و مشروعه .على عكس الإخوان الذين استمروا على نهجهم فى التغيير متعاطين مع العمل السياسى و لعبة الديمقراطية ، فقد تعرض التيار السلفى للانقسام الفكرى و التنظيمى بحيث نشأت اتجاهات سلفية عدة اختلفت فيما بينها حول الموقف من قضايا فكرية كالحاكمية و الجاهلية و الجهاد و العمل السياسى و الموقف من الحكام و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و مسائل أخرى ، و كان من نتائج هذا الانقسام أن نشأ التيار السلفى الجهادى الذى نحن بصدد الحديث عنه .كانت نشأة السلفية الجهادية بمثابة خروج عن الخط السلفى التقليدى الذى التزمه أصحابه السعوديون منذ أن قضى عبدالعزيز آل سعود على تمردات الإخوان ، و لعل ما يؤكد ذلك تصريحات وزير الداخلية السعودى فى العام 2002 من أن جميع مشكلات السعودية ــ و يقصد بالطبع ما له علاقة بالجماعات المسلحة ــ هى من إفرازات الإخوان المسلمين .و برأيى فإن تأثر السلفيين بغيرهم من مفكرى الجماعات الصحوية قد بدأ فى مصر و ليس فى الخليج كما يدعى الكثيرون ، فقد ادى تأثر بعض السلفيين المصريين فى سبعينات القرن الماضى بآراء و كتابات سيد قطب و أبى الأعلى المودودى إلى نشوء فكر سلفى جديد تأطر تنظيميا فى جماعات عدة أهمها " الجهاد " التى بدأ منظرها أيمن الظواهرى التزامه الدينى فى مسجد تابع لجماعة انصار السنة المحمدية بمنطقة المعادى بالقاهرة .و بانتقال هذا الفكر إلى ساحة الجهاد الأفغانى اكتملت معالمه بدخول عبدالله عزام على الخط كمنظر لفكرة الجهاد كأهم فرض من فروض العين و هى التى كان المصرى محمد عبدالسلام فرج قد أشار إلى أهميتها فى كتابه الشهير : " الفريضة الغائبة " ، بانتهاء التجربة الأفغانية كانت تلك الجماعات قد اكتسبت خبرة قتالية عالية و خرجت قيادات على مستوى عال وجدت فى بؤر التوتر فى العالم الإسلامى كالبوسنة و الشيشان و غيرهما متنفسا جهاديا تنشط من خلاله و تكتسب مزيدا من الأنصار .كان استهداف المصالح الامريكية فى نهاية التسعينات الذى بدأ بتفجير السفارتين الأمريكيتين و تدمير المدمرة كول مؤشرا قويا على تغيير هذه الجماعات استراتيجيتها من مقالتة العدو القريب و هو الحكومات الإسلامية أو الدول المعتدية كالصرب و الروس إلى مقاتلة العدو الأقرب و الأقوى و هو الولايات المتحدة الأمريكية ، و هو أمر جعلها الأخطر على مصالح و أمن القوى الغربية التى قبلت التحدى و اعلنت حربا آمن كل طرف بحتميتها ، و منذ بداية هذه الحرب التى اندلعت منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر و حتى الآن فإن كلا من الطرفين قد حقق انتصارات على أرض المعركة ، فالولايات المتحدة استطاعت ان تستغل أحداث الحادى عشر من سبتمبر لتفرض مزيدا من الوصاية على العالم الإسلامى و لإيجاد ذريعة لإحتلال دولتين مسلميتن هما العراق و أفغانستان ، كما استطاعت ان تفقد القاعدة الكثير من قادتها و حرسها القديم كأبى زبيدة و أبى حفص المصرى و أبى الفرج الليبى و الزرقاوى و غيرهم ، إلى جانب ذلك فإن الكثير من مصادر تمويل القاعدة و غيرها من الجماعات الإسلامية قد جمدت نتيجة لسياسة تجفيف المنابع التى اتبعتها الولايات المتحدة الامريكية .من ناحية أخرى فإن القاعدة و التنيظمات السلفية الأخرى قد منحتها الحرب الإعلامية مزيدا من الوهج الإعلامى و هو ما أكسبها مزيدا من الأنصار لاسيما فى البلاد المحتلة أمريكيا كالعراق الذى كان الوجود السلفى به نادرا قبل الاحتلال الأمريكى ، كما أن عولمة محاربة تلك التنظيمات السلفية دفعتها إلى السعى نحو التوحد و هو ما شهدته الساحة العراقية بانضمام الزرقاوى و مجموعته إلى القاعدة ثم السلفية للدعوة و القتال بالجزائر بالإضافة إلى بعض القيادات المصرية بالرغم من الخلافات التى كانت موجودة و أعلن عن بعضها ، و بذلك تكون القاعدة فى طريقها لأن تصبح الممثل الوحيد لجماعت السلفية الجهادية فى العالم .قد تكون القاعدة قد خسرت الكثير من زخمها الإعلامى بالضغوط التى مورست على قناة الجزيرة التى كانت نافذتها الوحيدة ثم بتحول الانظار إلى قضايا أخرى ليست القاعدة طرف فيها كالقضية الفلسطينية ، ثم تأتى الخسارة الكبرى من جراء شبح الأفغنة و الانقسام الذى يتهدد مشروع المقاومة العراقى ، إلا ان الواقع الحالى يؤكد أن القاعدة و السلفية الجهادية بصفة عامة مازالت تحافظ على ثقة الجماهير بها لابقائها على رمزيها ــ بن لادن و الظواهرى ــ إلى الآن دون أن يقتلا أو يقبض عليهما و هو ما يجعل موقف الإدارة الأمريكية و حلفاءها أكثر حرجا ، ثم إن هذه الجماعات نجحت فى تحقيق ما كانت ترنو إليه و هو استدراج الولايات المتحدة إلى ساحات مواجهة مباشرة من خلال احتلالها لدول كالعراق و أفغانستان و هو الامر الذى أعتقد ان الإدارة الأمريكية بصدد بحث مدى جدواه الآن خاصة بعد سقوط أغلب حكومات اليمين المتحالفة مع الولايات المتحدة كحكومة أزنار فى أسبانيا و بيرلسكونى فى إيطاليا ثم سقوط الجمهوريين فى انتخابات الكونجرس فى العام الماضى .

No comments:

Post a Comment