Thursday

الصحوة القبطية __ المعالم و الأسس

يعيش الوسط القبطى منذ بداية السبعينات ظاهرة ملموسة تعكسها مجموعة من التجليات الدينية و الإجتماعية أرى أن الاصطلاح على تسميتها فى مجموعها بالصحوة القبطية أمرٌُ غير مجافِِِ للواقع ، هذه الظاهرة التى كان من أهم إفرازاتها تلك التغيرات التى طرأت على طبيعة العلاقة بين عموم الجمهور القبطى و نظيره المسلم من جهة و علاقة الأول بمؤسسات الدولة من جهة أخرى ، ثم ما أفرزه هذا التغير فى طبيعة العلاقتين من إشكاليات طائفية اتخذت شكل مصادمات و تظاهرات و عنف فكرى و فعلى بدأ فى التصاعد مع بداية العام ألفين فارضا نفسه بقوة على الواقع المصرى .
و إذا كنا نسلم بأن هذه الظاهرة و ما أفرزته من نتائج قد ساهمت إلى حد كبير إلى جانب عوامل أخرى فى انتاج هذا الواقع الجديد ، فإن دراستها ــ شأنها شأن نظيرتها الإسلامية التى قتلت بحثا ــ تصبح من الأمور الضرورية حيث يمكن من خلال دراستها الوقوف على المعالم و الأسس و المرتكزات الفكرية والمنهجية التى ساعدت على انتشارها و ميزتها عن غيرها من الظواهر الإجتماعية و الثقافية ، بحيث لم تجعلها مجرد ردة فعل عفوية للظاهرة الإسلامية ، أو مجرد ظاهرة مرتبطة بشخص قائدها المتمثل فى القيادة الكنسية ، و عليه فإننى سأقدم ايجازا لتلك الأسس و المعالم بحسب رؤيتى مقتصرا فى طرحى للظاهرة و معالمها و أسسها على التوصيف لا التقييم الذى قد يكون له مجالات أخرى ملخصا تلك العوامل و الأبعاد فيما يلى :
أولا العامل الدينى : إن هذه الصحوة بلا شك بدأت ــ و مازالت بطبيعة الحال ــ ذات طابع دينى ، بحيث ارتبط قيامها بشكل أساسى بتعاظم دور الكنيسة الذى بدأ مع اعتلاء الكرسى البابوى شخصية قبطية يصفها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بأنها شخصية تحس بذاتها و تسعى للعب دور مهم على الساحة الوطنية ، و قد سبق هذا التغير الذى طرأ على الكنيسة تغير آخر فى الواقع الاقتصادى و السياسى للدولة بحيث انهارت فيها طبقة كبار الملاك الزراعيين و الصناعيين التى كان الأقباط يشكلون نسبة لا بأس بها منها ، و بمجىء البابا الجديد حدث تغير آخر على صعيد الكنيسة حيث انتهت الأزمة المالية التى كانت تعانى منها فى عهد البابا كرولوس ، كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تعاظم دور الكنيسة كمؤسسة و حلول دورها كبديل لدور المؤسسات المدنية التى كانت محل نشاط النخب القبطية من إقطاعيين و سياسيين ، و هنا تكمن اولى المفارقات التى تعكس البعد الدينى فى الظاهرة ، فبينما كانت الزعامة القبطية القادرة على توجيه و تحريك مشاعر الجماهير القبطية و اثارة مشكلاتها فيما قبل حركة يوليو تتمثل فى كبار الساسة الليبراليين و الإقطاعيين الأقباط المنخرطين فى الاحزاب السياسية لاسيما الوفد الذى يحمل شعاره الصليب إلى جانب الهلال ، صار الوضع معكوسا مع تغير ظروف الدولة و الكنيسة ، بحيث صار رئيس الطائفة لا رئيس الحزب أو رئيس الوزراء ــ و كلا المنصبين تقلدهما أقباط فى الفترة الليبرالية ــ هو من يمتلك حق التحدث باسم الأقباط و اتخاذ المواقف الكبرى عند بروز حدث طائفى على الساحة ، و بالفعل فمنذ نشوب أزمة الخانكة عام 71 و حتى أزمة وفاء قسطنطين كانت الكنيسة دائما تتصدر الجانب القبطى ساعية لطرح الحلول و متحدية أحيانا لسلطة الدولة ، أما ما يجعل المفارقة أكثر غرابة فهو انضواء بعض العلمانيين الأقباط ممن يؤمنون بل و يطالبون بفصل الدين عن الدولة بشكل أو بآخر تحت لواء الكنيسة فى حراكها بدرجة تدفعهم أحيانا إلى تقديم خطاب يبدو ميتافيزيقيا يتحدث عن العالم القبطي كملكوت بلا حدود، وكيان روحي وحضاري منتشر في أنحاء الأرض وممتد إلي أبواب السموات ، و هكذا فإن نجاح الكنيسة فى تعاطيها مع المعاناة الطائفية التى تعيشها الجماهير القبطية أدى إلى فقد الثقة فى الدولة و مؤسساتها الامر الذى أكسبها فى النهاية ريادة و احتكارا للقضية و هو ما هيأ لها أن تفرض رؤاها النابعة من قناعاتها العقائدية على الظاهرة و على جماهيرها المطالبة دائما برفع المعاناة و الاضطهاد .
ثانيا العامل القومى : بعد آخر شكل أحد أهم سمات هذه الظاهرة مميزا إياها عن نظيرتها الإسلامية و هو البعد القومي ، هذا البعد الذى أخذ يتضح فى أدبيات بعض منظري هذه الصحوة سواء من العلمانيين أو رجال الدين ، وبرغم كونه يبدو مرتبطا أكثر بقناعات النخب القبطية المثقفة و المتدينة ، إلا أن أهميته تكمن فى كونه يسهم إلى حد كبير فى إكساب الظاهرة عاملا يمكن تعبئة الجماهير من خلاله ، يعتمد هذا البعد على رؤية فحواها أن مصر فى الأصل هى دولة قبطية مسيحية و أن المسلمين الذين يمثلهم العنصر العربى هم دخلاء عليها مع التركيز على الجانب الفرعونى فى تاريخ مصر و تمجيده و الادعاء بحتمية عودته ورفض العروبة كهوية ثقافية ، و بغض النظر عن صحة هذه النظرية من عدمها و عن كون البابا شنودة نفى بشدة اعتناقه إياها بعد أن وجهت له فى بداية الثمانينيات تهمة تتعلق بذلك منكرا موضوع الدولة القبطية فى أسيوط متعللا بأسباب لها وجاهتها ، إلا أن ثمة ما يدفع إلى القول بأن هذه الفكرة في مجملها تلقى قبولا و تشكل هاجسا يداعب البعض خاصة بعض المهجريين الذين يروجون لها فى أدبياتهم من وقت لآخر ، و هذا ما يلاحظ لدى الكثيرين فالمطالع لبعض الأدبيات القبطية فى الداخل و التى منها مجلة " الكتيبة الطيبية " التى ترفع شعار إعادة بناء الهوية القبطية أو لبعض أدبيات أقباط المهجر لاسيما على الانترنت يلمس محاولة قوية لإحياء التاريخ القبطى و اجترار أحداث التاريخ المتعلقة بالأقباط و تقديمها بأسلوب يشير إلى ما يمكن تسميته (مظلومية الأقباط التاريخية ) ثم اسقاط هذه الأحداث التاريخية على الواقع المعاصر أو العكس و فى هذا الصدد أورد فقرة من مجلة " صوت مصر الحر " على لسان أديب مجلى أحد الكتاب المهجريين يقول فيها: "أنا القبطي الفرعوني صاحب الأرض، أنا القبطي الشامخ صاحب هذا الوطن الذي سُلِبَ مني منذ الغزو الإسلامي وإلى الآن، وسيرحل قريباً كما رحل من أسبانيا " ، و أكرر بغض النظر عن صحة مثل هذه الادعاءات و الموقف منها الإ أن ترسيخها فى أذهان الجماهير القبطية بشكل أو بآخر ساهم إلى حد كبير فى تجسيد هذه الروح الصحوية الدينية فى كيان مادى له معالمه و دفعها دفعا إلى العمل على تحقيق مشروع يعبر عنها ، و هكذا فإن التركيز على هذا الجانب من الظاهرة يبدو مفيدا لها لاسيما فى هذا الوقت الذى تنهض فيه كل الوطنيات والاثنيات والقوميات لتبحث عن ذاتها وكيانها وخصوصياتها و تسعى فيه القوى الدولية الكبرى لاستثمار مثل هذه التحركات لكسب تحالفات جديدة فى سبيل تحقيق مشاريع التوسع .
ثالثا : إن هذه الظاهرة منذ ولادتها و إلى الآن تتميز بالشمولية و عدم النخبوية حيث تتغلغل فى أوساط اجتماعية قبطية عديدة ، يؤكد ذلك واقع التظاهرات و المصادمات التى تنشب على أساس طائفى و نوعية جمهورها الذى ينتمى إلى الطبقة المتوسطة و تحت المتوسطة ، حيث ينبىء الواقع بأن هاتين الطبقتين و هما اللتان تمثلان الأكثرية من الجمهور القيطى تبدوان أكثر التفافا حول القيادة الكنسية بشكل يجعلها المتجاوب الأكبر مع إملاءات هذه القيادة عقب كل حادث ،بدا ذلك واضحا فى حادثة وفاء قسطنطين حيث استطاعت القيادات الكنسية أن تحشد بسهولة جماهير غفيرة و توجهها للتظاهر داخل كاتدرائية العباسية ، على عكس حال النخبة الثرية التى يدفعها حرصها على عدم الإضرار بمصالحها الاقتصادية إلى عدم التجاوب مع هذه الأحداث بحيث يقتصر دورها على مسألة تقديم التبرعات و المنح و هو ما يسهم فى النهاية فى تقوية سلطة الكنيسة ، و هكذا بدى التغير فى واقع و طبيعة المسألة القبطية واضحا مع نشوء هذه الظاهرة بحيث تغير الوضع من كون الشان القبطى كان دائما ما تاتى إثارته من قبل فئات متميزة اقتصاديا و اجتماعيا تثيره فى اغلب الاحيان لتحقيق مصالح ذاتية بأن قام القطاع الاكبر من الجمهور القبطى بتبنى القضية و الالتفاف حولها مدفوعا فى رأيى بأمرين : الأول : ارتباطه بالكنيسة و رموزها الذين يقدمون له إلى جانب التوجيه الديني و الأخلاقي الدعم و الخدمات عوضا عن الدولة و مؤسساتها التى تعجز فى اغلب الاحيان عن استيعاب هذه الفئات خدميا ، و فى نفس الوقت كون هذه الفئة هي المتضرر الأكبر من إفرازات المسألة الطائفية التى تطفو على السطح من وقت لآخر .
رابعا : تأثرها بمحيطها الإقليمى و الدولى : تأثرت هذه الظاهرة أيضا شأنها شأن نظيرتها الإسلامية بما يطفو علي الساحة الوطنية و العالمية من قوى و أحداث تؤثر فى طبيعة الحراك الاجتماعى و الثقافى ، فكما أن ظاهرة الصحوة الإسلامية تأثرت بشكل بشكل كبير بمناخ الحرب الباردة الذى ساد فى سبعينات و ثمانينات القرن الماضى ، فإن ظاهرة الصحوة القبطية قد تأثرت هى الأخرى بمجموعة من المتغيرات الإقليمية و الدولية ساعدت على تقويتها و أكسبتها عنفوانا و حضورا شعبيا جعلها باستمرار مؤهلة للصدام مع خصومها ، أول هذه العوامل كان نشوء ظاهرة الصحوة الإسلامية و تأثيرها فى معتقدات و ممارسات القاعدة العريضة من جمهور المسلمين ، هذه الظاهرة التى قابلها جمهور الأقباط بالمثل بحيث هرع هو الآخر نحو التدين و الالتحام بالكنيسة مما أفرز نوعا من السجال العقدي الغير معلن بين الظاهرتين ، كان من أهم إفرازات هذا السجال ظهور الدعاة و الكتب و المؤلفات بل و المعجزات كتجلى العذراء حول الكنائس و الحديث عن الإعجاز العلمى فى الإسلام و غيرها من أجل تثبيت المؤمنين و تعميق إيمانهم ، و كنتيجة لهذا الوضع وقعت كثير من حالات التحول الدينى خاصة من الطرف المسيحى ، و لأن أغلب المتحولين كانوا من المسيحيين فإن العسكرة الطائفية كانت هى السبيل الوحيد لوقف مثل هذا النزيف ، على صعيد آخر فقد أسهم عامل آخر فى تجذر هذه الحالة فمع محاولة الجماعات الإسلامية فى صعيد مصر خاصة فى أسيوط ذات الأغلبية المسيحية تحقيق مشروعها بإنشاء مجتمع إسلامى مصطدمة بالدولة و مؤسساتها ، كان من الطبيعى أن يحدث الصدام بين هذه الجماعات و بين القوى القبطية المناهضة و الغير مؤمنة بهذا المشروع تحت أى ذريعة ، و هو الأمر الذى أدى فى النهاية إلى مزيد من هذه العسكرة .على الصعيد الدولى كان لعوامل و اعتبارات خارجية أخرى دور كبير فى الابقاء على هذه الظاهرة و تدعيمها ، فاتجاه دول الغرب و بخاصة الولايات المتحدة إلى اللعب بورقة الأقليات بخاصة تجاه مصر و تبنى اليمين المسيحى فى الغرب لقضايا الأقليات المسيحية فى العالم و العالم العربى بخاصة قوى من الموقف القبطى فى الداخل ، و فى نفس الوقت أدى ارتباط تلك المنظمات و الجاليات القبطية فى الخارج بالكنيسة دون الدولة و لعب الكنيسة بهم كورقة ضغط ضد النظام أحيانا إلى إحدث صدام من وقت لآخر بين الدولة و الكنيسة و هو الأمر الذى أدى بالأقباط كالعادة إلى العزوف عن الدولة و الالتحام بالكنيسة .

No comments:

Post a Comment